من المعروف أن تلجأ دولة ما إلى “التجسس” على أخرى إذا كانت تشعر بخوف أو ضعف يدفعها إلى تتبع سلوك تلك الدولة وتحركات صناع القرار فيها، خصوصا إذا كانت هناك حالة غالبة من نمط علاقات الصراع بين الدولتين.
إن هذا الخوف وتلك الحالة من علاقات الصراع والتي تصل إلى ذروتها بالحرب، هو الذي أدى وبرر وجود الأجهزة المخابراتية في جميع دول العالم ومنحها أهمية خاصة، وجعلها في مقدمة الأجهزة التي توليها الدولة عنايتها من مختلف الوجوه البشرية والتنظيمية والمالية؛ كي تؤدي دورها بكفاءة واحتراف كبيرين.
ولكن يبدو أن الأجهزة المخابراتية قد شهدت تحولاً نوعيًا في دورها ومهامها سواء في الدول النامية بعد أن تحولت إلى المراقبة والتجسس على مواطني الدولة ذاتها وباتت مصدرًا للقلق والخوف لأبناء الدولة وليس للعدو، أو في الدول المتقدمة باتجاهها نحو التجسس على الدول الأخرى حتى لو كانت صديقة أو حليفة ودون وجود مبرر أو دافع لذلك .
وإذا كان التحول في دور الأجهزة المخابراتية في الدول النامية معروفًا وملموسًا، فإن من الأمثلة الصارخة على التحول في هذا الدور في الدول المتقدمة، الضجة المثارة حاليًا حول التجسس الأميركي على العديد من دول العالم ومنظماته، حيث كشفت العديد من الصحف الغربية ومن بينها مجلة “در شبيجل” الألمانية أن وكالة الأمن القومي الأميركي تنصتت على مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وأشارت إلى أن وثائق حصلت عليها من محلل الاستخبارات الأميركي السابق “إدوارد سنودن”، أفادت بأن الوكالة الأميركية فكّت العام الماضي شيفرة نظام الاجتماعات بدائرة تلفزيونية مغلقة في مقر المنظمة الدولية. وذكرت المجلة أن تلك الوثائق أظهرت أن عملاء جهاز الاستخبارات الأميركية تنصتوا على دول (فرنسا وألمانيا وتركيا والبرازيل والمكسيك والصين وروسيا) ومؤسسات أخرى، (الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية).
ومن الواضح أن هذا السلوك “التجسسي” لا يقتصر على واشنطن فقط، وإنما تمارسه دول أخرى أيضًا ومن بينها فرنسا، حيث أكد رئيس إدارة الاستخبارات الداخلية الفرنسية السابق “برنار سكوارسيني” لصحيفة لوفيجارو الفرنسية في 24 أكتوبر الجاري أن بلاده تقوم أيضا بالتجسس على الأميركيين، وأن الأجهزة تدرك بشكل جيد أن جميع البلدان بما في ذلك الدول الحليفة منها، حتى لو كانوا يتعاونون في مجال مكافحة الإرهاب، يرصدون بعضهم البعض، قائلاُ “إن أميركا تتجسس على فرنسا فيما يتعلق بالتجارة والصناعة، ونحن أيضا نتجسس عليها؛ من أجل الدفاع عن المصلحة الوطنية لشركاتنا ولا أحد ينخدع”.
وهو الأمر الذي ذهب إليه أيضًا مدير المخابرات الأميركية “جيمس كلابر” الذي يترأس 16 وكالة استخبارات منها وكالة الأمن القومي الأميركية بقوله “إن الولايات المتحدة تجمع عناصر استخباراتية من نفس النوع الذي تجمعه كل الدول. إن الولايات المتحدة تجمع معلومات من أجل حماية مواطنيها ومصالحهم ومن أجل حماية حلفائها وخصوصا من التهديدات الإرهابية أو من انتشار أسلحة الدمار الشامل”.
وهو ما عبرت عنه بوضوح صحيفة الجارديان البريطانية يوم 22 أكتوبر الجاري عندما أكدت أن الحرب على الإرهاب كانت نعمة لأجهزة الاستخبارات البريطانية، وأن الفرصة قد سنحت أخيرا “للجواسيس” ليقوموا بدور “الأخيار” بعد عقود أصبحت فيها هذه الأجهزة مشهورة بعمليات مكافحة التخريب ضد النشطاء السياسيين والنقابيين، مشيرة إلى أن ما تفعله هذه الأجهزة الاستخبارية ليس له علاقة بالإرهاب أو الأمن على الإطلاق، بل هو ممارسة سلطة مجردة للدولة لتحقيق مغنم سياسي واقتصادي، واصفة وكالات الاستخبارات الغربية الرئيسة بأنها باتت أدوات للهيمنة العالمية.
يقول ربنا جل شأنه في سورة الحجرات “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ”.
إن هذه الآية الكريمة رغم أنها موجهة للذين آمنوا إلا أني لا أجد ما يمنع القول بأنها تفسر واقع عمل الأجهزة الاستخبارية في عالم اليوم، حيث إن سوء الظن على الصعيدين الداخلي (أي بين الدولة ومواطنيها)، والخارجي (أي بين الدولة وغيرها من الدول) هو الذي يدفع في الغالب إلى التجسس، والذي يؤدي بدوره عادة إلى الكذب والافتراء من قبل الأجهزة المعنية، والافتئات على حقوق الآخرين وظلمهم وانتهاك أعراضهم.