تابعنا بكل اهتمام أعمال النسخة الثالثة عشرة لفعاليات ندوات تطور العلوم الفقهية التي أقيمت وانتهت قبل يومين بسلطنة عمان، واستمرت لمدة أربعة أيام وكانت بعنوان الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح، حيث خرجت بـ 12 توصية مهمة تتعلق بوضع رسالة الإسلام ومدى تسامحه مع البشرية والحضارات الأخرى.
وعند التمعن والتدقيق بهذه التوصيات وجدنا أنها بمثابة خارطة طريق للمبادئ العامة للإسلام في هذا العصر، الذي يشهد حروبا وصراعات ليس بين الحضارات فقط، بل بين المذاهب والفلسفات نفسها الموجودة داخل كل حضارة من حضارات هذا العصر. وقد جاءت بعض هذه التوصيات مرتكزة على دعوة الناس إلى كلمة سواء؛ لأن خير الإنسانية المشترك هو الهدف العام للإسلام، والتعاون على البر والتقوى هو من مقاصد تشريع وأوامر دين الإسلام الحنيف. ولهذا فقد رأت التوصيات أنه لابد من تفعيل دور المشترك الإنساني في حل الخلافات والصراعات في العالم، باعتباره أحد الحلول لعلاقات جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والحوار بين الثقافات المختلفة وتفعيل قيم العدل والمساواة والتضامن، للوصول إلى رؤية مشتركة للمخاطر والتحديات التي تواجه الشعوب.
ومن ضمن هذه التوصيات المهمة أيضا بحث ما يطلق عليه بفقه المشتركات الإنسانية عند علماء الإسلام عموما، في ضوء الرؤية الاجتهادية لكل منهم وفقا للظروف الزمانية والمكانية التي عاشوها. ولذا فإن الندوة ترى بأنه لابد من مراعاة ذلك الأمر، عند مناقشة آرائهم وفتاواهم ونصوصهم الفقهية في هذا الموضوع، والنظر في التراث الفقهي في ضوء تأثيرات الزمان والمكان، وإعادة قراءة المصطلحات الشرعية المتعلقة بالمشترك الإنساني وتعميق فهمها في التعامل مع الآخر، وفق تصوير القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، من أجل تقديمها في قالب إيماني وسلوكي مع التعريف بهذه الحقوق القرآنية، باعتبارها منهج هداية يرعى مصالح البشر ويقودهم إلى التآلف والتعارف.
أيضا دعت الندوة إلى تعزيز الجوانب المشتركة لدى علماء المسلمين من المذاهب الفقهية المختلفة؛ من أجل إزالة الحواجز الفكرية، والعمل على تلاقي الأفكار وتبادل الخبرات للخروج بأعمال فقهية تجمع المسائل المتفق عليها في المشتركات الإنسانية، ذلك لأن قيم الحرية والمساواة والرحمة والعدل والتعارف والكرامة والخير العام، حاضرة وبكل قوة في القرآن الكريم ووقائع السيرة النبوية الشريفة، ولذلك لابد من العودة إليهما؛ لاستلهام حقوق الإنسان المشتركة. وكلنا يعلم بأن صحيفة المدينة المنورة كانت أول دستور يعترف بحقوق المواطنة لجميع سكان الدولة يضمن لهم حقوقا متساوية, مقابل أدائهم لواجباتهم ومشاركتهم في الدفاع عنها، وجاءت خطبة الوداع لنبي الإسلام عليه الصلاة والسلام إعلانا عاما لحقوق الإنسان، وارتباطها بالدعوة الإسلامية وتكليف المسلمين بتبليغها باعتبارها قضيتهم الكبرى.
وبخصوص حقوق الإنسان، لم تنس التوصيات هذه المبادئ، حيث دعت إلى ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، مهما كان لونه وفكره وعرقه وقوميته ودينه في المجتمع، من خلال تأكيد الشريعة الإسلامية الحفاظ على الكليات الخمس، وهي حق الدين والنفس والعقل والعرض والمال؛ لإحياء معالم القيم والأخلاق. ولم تكتف الندوة بذلك، بل دعت لإضافة مبدأ حقوق الإنسان كمادة في المناهج التعليمية في المدارس والجامعات يتربى عليها الشباب، والتعريف بذلك في البرامج الإعلامية والتربوية عبر القنوات المرئية والمسموعة والمقروءة، حتى تصبح ثقافة عامة يعنى بها الجميع. ومن أهم هذه الحقوق التي ينبغي ترسيخها في المناهج التعليمية للطالب أدب الاختلاف وقبول الآخر، سواء كان طالبا للعلوم الشرعية، أم غيرها من العلوم النظرية أو التطبيقية، وتدريبه على ذلك؛ حتى يصير هذا الأدب خلقا راسخ المعاني والسلوك.