العدد 2102
الخميس 17 يوليو 2014
“يا له من مخدِّر.. يا لنا من مخدَّرين!” غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 17 يوليو 2014

ما هي أفضل طريقة لقتل الإحساس بأمر ما؟ لدينا طريقان أو طريقتان: إما أن نضع هذا الأمر في الظل البعيد، ولا نتحدث عنه بتاتاً، ولا نتعامل معه على أنه موجود أساساً، وهذه هي الطريقة القديمة التي – للأسف – لا تزال تتبع في أكثر الدول العربية مع أنها أثبتت فشلها تبعاً للمقولة المعروفة “كل ممنوع مرغوب”، فلا إعلامها يأتي عليها، ويتجاهل هذه الأمور التي لا تريد الحديث عنها، فتتشكل في السراديب شهوة جامحة لتناول الموضوع المسكوت عنه، أو المراد إسكات الناس عن الخوض فيه، ولم تفلح هذه الوسائل للأسف. فقد بقيت الجماهير العربية ساكتة، خانعة، خائفة، لاهية، حتى التفتت فجأة، بعد عشرات السنين من انتهاء “موضة” الانقلابات العسكرية، إلى مصدر الألم، ومصدر الشقاء، فحدث ما حدث في السنوات القليلة الماضية، بعدما نامت مجسّات الشارع العربي ونبضه بالمخدر نفسه الذي خدّرت به جماهيرها، واعتقدت أن هؤلاء الناس لن تقوم لهم قائمة بعد أن أدمنوا العته والسفه والانحطاط والخوف والتشرذم... ولكن الجماهير فاجأت العالم أجمع، بأنها كانت تغلي ولكنها كانت تريد من يعلق الجرس، أو من ينتحر عند بوابة الأمل ليفتحها فتنطلق من بعده الجحافل كاسرة كل حواجز الخوف وصور الرعب... وإن قيل ما قيل عن مخططات وتمويلات وسيناريوهات... الخ، فإذا لم يصحّ بأن ليس هناك دخان من غير نار، يصحّ أيضاً أن هذه الجماهير لم تكن لتقدم نفسها ضحايا لأن هناك من يحركها بالريموت كونترول!
أما الطريق الآخر للتخدير، والذي لا يزال يثبت قوته وقدرته، فهو ذاك الذي يعتمد على الإغراق والتكرار، حتى يعود الأمر طبيعياً، أو شبه طبيعي، وحتى لا يعود مستغرباً وصادماً، ولا يحرّك في الفرد منا أي اندفاع، أو خروج عن المألوف. قد يسميه البعض “سلق الضفادع”، وهي الطريقة التي باتت معروفة ولا تحتاج إلى المزيد من الشرح، ولكنها بالفعل تسجل النجاح تلو النجاح.
هل هذا يكفي للتدليل على ما يحدث في غزة اليوم، وكيفية تعاطينا مع هذا الأمر؟!
لن نذهب بعيداً، لن نعود إلى غزو لبنان (1982) في مثل هذا الوقت قبل 32 عاماً، حيث عربدت آلة القتل والتدمير الصهيونية في الأراضي اللبنانية حتى أجبرت منظمة التحرير والأجنحة المسلحة على المغادرة، ولاحقت قياداتها بعد ذلك في تونس لتصفّيها، من دون تدخل أو مقاومة أو تحرك من دول “الطوق” على الأقل، والتي يدّعي البعض اليوم أنها الجدار الأخير أمام المشروع الصهيوني!
ولن نتحدث عن الانتفاضة الأولى (1987)، وكيف كان التعاطي العربي الشعبي معها، وكيف استطاعت استنهاض العزائم، وشكلت حالة من الوعي، ونزع الغشاوة عن قضيتنا الرئيسية والمركزية التي ظلّت تلاك بالألسن والأحبار، حتى صار الحديث عنها مملاً وباهتاً.
هل نتكلم عن الانتفاضة الثانية؟ وهي قريبة نوعاً ما وتسمى “انتفاضة الأقصى”؟ (سبتمبر 2000) والتي استطاع الإعلام أن يسجل فيها الكثير من التقدم، إذ كانت في فترة انفتاح الفضاءات، والمحطات التلفزيونية الخاصة، والإنترنت، بدأت حينها حرب قراصنة الإنترنت أيضاً، وسجل العرب والفلسطينيون تحديداً نجاحات لافتة فيها، وبدأ العالم يعرف أكثر ما يفعله “جيش الدفاع” الإسرائيلي من تدنيس لكل الشرائع والمواثيق، فغدا التفاعل والتعامل العربي معها أكثر حرارة، وصار للناس ما يمكنهم عمله بدلاً من الحسرة على الصمت، والترديد بصوت منخفض “واحد.. اثنين...الجيش العربي فين؟”، فقد التهبت المشاعر كما لم تلتهب، وصارت قصة “محمد الدرة” أيقونة الانتفاضة. البحرين حينها كانت تشهد حراكها السياسي، فسمحت للمسيرات، وهي باكورة مسيرات تتالت بعدها للكثير من المواضيع والملفات، نددت، وجمعت التواقيع، وأرسلت العرائض للجهات الأممية، وجمعة الأموال للمناصرة، كما تحرك الشارع العربي في شأن لا يختلف عليه اثنان، ولا يمكن أن يختلفا عليه إلا وكان أحدهما خائناً، أو في أحسن الظروف متخاذلاً.
لكن هل سمع أحدنا عن “الانتفاضة الثالثة” التي تم التخطيط لها في 15 مايو 2011 في الوقت الذي كانت فيه الدول العربية لاهية في أوضاعها الداخلية، وحراكاتها المنجزة، أو التي كانت على وشك الإنجاز أو تلك التي انطفأت، وأخرى تتململ، وحيث تراجعت القضية الفلسطينية إلى خلفية المشهد السياسي والاهتمام، وربما هي الفترة التي كانت فيها نشرات الأخبار قد نسيت تماماً ما يجري في الأرض المحتلة، وإن أوردت خبراً ما، فإن المتابع يتحرق شوقاً لأن ينتهي الخبر الفلسطيني لأن هناك ما هو أكثر استحواذاً على رأيه.
الحال نفسه حدثت قبل بضع سنين، عندما اعتدت القوات الإسرائيلية على غزة (2008-2009)، وأسقطت في شهر واحد أكثر من 1380 شهيداً، وخلفت الآلاف من الجرحى والمشردين، لنتذكر كيف تفاعلنا مع هذا الحدث الدموي، وكيف كانت ردود أفعال الناس. هل نتذكر أن عدواناً آخر وحشياً خاطفاً قد ضرب غزة في 2012؟ هل رد فعلنا اليوم، حكومات وجماهير تقارب ما حدث في 2009، التلفزيونات إذ أفردت برامج، والتبرعات إذ انهالت، والمواقف القوية (على قلة حيلتها) كانت تأتي من كل حدب وصوب. وحين تسأل أحدهم عما يجري في غزة يطالعك بشيء من البلادة المعجونة بالضيق ليرد على سؤالك بسؤال “ألم ينتهوا بعد؟”.
اليوم يتداعى متحمسون للقيام بشيء ما، صحيح أن جدواه ليست بالشيء الكثير، ولكنها واحدة من محاولات ضخِّ شيء من التعاطف والمؤازرة. وردود الفعل إلى الآن لا تنبئ عن كثير، وتشير إلى تكاسل وتردد في الاستجابات على الرغم من الأمنيات الطيبة، هناك تثاقل إلى الأرض، وتفاسير عديدة، بعضها سياسي، وبعضها آيديولوجي، وبعضها عبثي، والغائب الأكبر فيها هو الجانب الإنساني، فيما لو تمت تنحية جميع العوامل سالفة الذكر. الخشية الحقيقية، و”الفشيلة” الكبرى، فيما لو لم ينجح “أضعف الإيمان”!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية