تستخدم الصحف ووكالات الأنباء المحلية والعالمية لفظ “تاريخي” على الكثير من الأفعال التي يقوم بها الساسة والقادة، ومن غير المفهوم تماماً ما المقصود بهذا المصطلح “تاريخي” على وجه التحديد. هذا الأمر يمكن ملاحظته في الأوصاف التي أطلقت على زيارة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد السالم الصباح لإيران منذ أيام، على اعتبار أنها الزيارة الأولى، ومن هنا أخذت سمة “التاريخية”.
وبغضّ النظر عن ما تمخضت عنه الزيارة، وهل ستكون فاتحة جسور الحوار، أم خاتمة أحزان المنطقة، أم هي القادرة على تحويل الفكر الإيراني تجاه الجيران الغربيين، أو تحويل وجهة نظر دول الخليج العربية تجاه من يقاسمهم مياه الخليج، فهذا ما ستسفر عنه الأيام.
ولأننا مطالبون بالحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة، فإن مواقفنا من هذه الزيارة لم تتغير، فنحن ثابتون على قيمنا ثباتاً لا يتزحزح ولا يتزعزع. فالذين درجوا على بغض إيران رأوا في هذه الزيارة اختراقاً لما دأبوا على الجأر به ورفع الصوت والتحذير منه. وإذا كانت الكويت اليوم، والسعودية في الغد، تسيران في رصف الطرق السريعة بينهما وبين الجارة الشرقية، فأين يمكن أن يذهب كل ما قالته هذه الجماعة عن مثالب إيران ومساوئها، وأين يمكن صرف كل هذه الانتقادات التي تجاوزت الخلافات السياسية إلى خلافات عقائدية، بل ووجودية أحيانا، وماذا سيفعلون بكل الإثباتات التي رصّوها في نقد التوسع الإيراني، والدور الخبيث في المنطقة، وهاهي القبلات تتبادل، وهاهي الزيارات تتوالى، وهاهي الاتفاقات تبرم، والنوايا الحسنة تفرش لتعبيد دروب من التفاهم؟
ولأننا محافظون على التقاليد والأعراف الأصيلة ذاتها، الممتدة من الآباء نزولاً من الأجداد العظام، فإن الذين درجوا على اعتبار إيران النموذج الأفضل عالمياً، والسباقة إلى كل خير وفضيلة، وأنها جماع الشمائل وتتمثل في بلد ونظام، بل وفي كل شيء، صاروا يخرجون ألسنتهم، ويتشفّون في تهاوي حجج الفريق الأول، فهم لا يكبرون رجاحة عقول الساسة الخليجيين، ولكنهم يهللون “لانتصار” الدبلوماسية الإيرانية، والقوة الإيرانية، والثبات الإيراني، الذي أثبت سلامة منطقه، وصوابية وجهة نظره بما انتهى إليه الحال مع الدول الخصوم. والحقيقة التي يعرفها الطرفان ولكن لا يريدان البوح بها، أن الوقوف مع إيران أو ضدها ليس إلا لانتماء طائفي مذهبي بحت، لا علاقة له من قريب أو بعيد بالمواقف السياسية لإيران، ولا بالنهج الاقتصادي الذي تتخذه ولا بفلسفتها التنموية، ولا بالتنظيم الهرمي المعقد للمؤسسة الحاكمة فيها، أليس هو الأمر نفسه في مواقف طرفي الشدّ والتوتر الطائفي في المنطقة بالنسبة للعراق وسوريا وحزب الله ولبنان واليمن والسعودية، وعلى هذا يمكن قياس الكثير من القضايا المتوترة.
وهذا الأمر غير الجديد عليّ ولا على أي شخص آخر مهما كانت رجاحة عقله ومستوى حصافته، فقد عاينته شخصياً منذ العام 1980، أي مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وكيف انسلخ الناس عن الناس في رؤيتهم، وكيف بدأ الحذر والتوجسّ يعمّ، وكيف بدأوا يتحلّقون، كل أتباع مذهب لوحدهم ليتهامسوا بما يدور في خلدهم ولا يقوون على قوله أمام الطرف الآخر. ولكن الأمر قد تبدّى حديثاً أيضاً، عندما أشركني أحد المعارف منذ بضعة أشهر ضمن مجموعة هاتفية (واتس آب) ما أعرفه عن أعضائها أنهم “وطنيون” وذلك بهدف تفعيل “اللحمة الوطنية”، بعضهم يساريون أو أشباه يساريين، ولكن ما إن تثور النقاشات حتى تلقى الاصطفافات ذاتها، التي تمليها الطائفة على الجميع. فالشيعي ينضم إلى إيران وسوريا الأسد وحزب الله، هكذا من دون تمحيص أو تدقيق أو مراجعة المواقف؛ والسني إلى سوريا أخرى لا تنتمي إلى الأسد، ولا إلى الجماعات الإرهابية، رافضاً المواقف الإيرانية ومشككا فيها، مستشهداً بما يتناقله الناس عن أدوارها في الدول التي يشار إلى تغلغلها فيها، والمتوازن منهم والذي لا يعبر عن رأيه صراحة تراه لا ينقل إلا ما يقوّي مناعة موقفه/مذهبه، أو يسفّه الطرف الآخر، وتراه يقول إنه ليس طائفياً، وإنه ينتقد في جماعته ما ينتقده في الآخرين، ولكنه لا يرينا يوماً نقداً لأتباع مذهبه. الأمر الذي زادني غصّة ومرارة فتركت المجموعة متألما غير آسف على تركها. فإذا كان هذا حال القوميين واليساريين، فكيف الحال بمن يتمرغون في أحضان المذهبية ويتعيشون منها؟!
إن وعينا العام قد بلغ درجة مهمة من التشوه بحيث بات لا يفرق بين السياسة والمذهب والعلاقات الاجتماعية، ويربطها جميعاً في إطار واحد، يقود بعضه إلى بعض، حتى أنك ما إن تجد موقفاً سياسياً حتى تعرف صاحبه ينتمي لأي مذهب، وإن ثبت خطأ ما ذهبت إليه فإنك لا تعدم القول إنه قد تعرض لغسيل دماغ، أو ساذج لا يحسن القراءة السياسية. وهذه واحدة من مصائبنا، بل هي مصيبتنا الكبرى التي ابتلينا بها في العام 2011 وحتى وقتنا هذا في ربط كل هذه الأمور ببعضها لنتخذ من صاحبها موقفاً إما أن يكون منّا، أو من “الجماعة” أي الآخرين. لذا فإنه من الخطأ أن نشير إلى أحداث 2011 على أنها التي شقّت المجتمع، ولكنها لم تفعل غير النفخ على بيوت العنكبوت الواهية التي كانت تخفي الانشقاق الكبير الذي ترسخ عبر العقود، والذي تؤكده الممارسات اليومية غير المعلنة والتي طالما أشحنا عنها، وكأننا بذلك ننفي وجودها، أو بالأحرى نجبن عن مواجهتها والبحث عن مصدر علتها، وسبل مواجهتها.
لن نعدم عند فتح الملفات، بكل صراحة وشفافية وتقبل الألم المؤقت على أمل الشفاء، أن نسمع أطناناً من القصص التي تشير كل منها بالاتهامات إلى الطرف الآخر أنه هو المتسبب في الوضع الطائفي المتأزم في البلاد، ولكن السؤال: من يعلق الجرس؟ سيظل مهماً وقائماً، والأهم منه: ماذا بعد أن يرن الجرس؟ من سيأخذ بمبادرة وضع الحلول التي تقربنا من هذا القرن الذي لا نعيش منه سوى تواريخه ولكننا بعيدون كل البعد عن جوهره؟.