في الطريق إلى العمل، أصادف الكثير من الإعلانات الكبيرة الحجم، تتزاحم حتى إنها قد تربك السائقين المرتبكين أساساً لأسباب عدة لا داعي لذكرها، وكثير من هذه الإعلانات يتحدث عن مسابقات موجهة للشباب أساساً، وهذا أمر حسن، لأن الكثير من الشباب لديه ما يريد أن يقوله ويعبّر عنه بشتى الطرق، وينتظر الفرصة ليبرز مواهبه وقدراته، وربما تكون واحدة من هذه المسابقات شرارة لانطلاق البعض إلى تعزيز هذه المواهب والطاقات والإمكانيات ليتم توظيفها بالشكل الأنسب، وتكون هذه المسابقات بداية أولية بالنسبة له.
مسابقات متنوعة جداً، وكثيفة جداً، وكثيرة جداً، حتى تغدو متشابهة جداً، أيضاً، ولا يكاد يستقر “غبار” مسابقة ما، حتى يثور “غبار” مسابقة أخرى. هذا الأمر أعادني إلى العام 2003 (إن لم تخني الذاكرة)، حيث كنت محكّماً في مسابقة كانت تجري على مستوى الوطن للأطفال، وفيها فروع متعددة، وفي اجتماع في الدورة الأولى للمحكمين كان التساؤل يدور عن قيمة الجوائز، هل هي نقدية، أم شهادة تقدير، أم هي ميداليات تتدرج ألوانها ومعادنها بين الذهبي والبرونزي لتعبّر عن مكانة الفائز. في ذاك الاجتماع طُرح سؤال جوهري، وأرجو ألا تخنّي الذاكرة مرة أخرى، فقد كان السؤال أو التساؤل من الصديق الأديب عبدالقادر عقيل، حين قال: ولكن ما مصير الفائزين؟
سيكون من الممتع بالنسبة للمتسابق أن يشير إلى فوزه، وسيكون شرفاً له أيضاً أن يترشح، مجرد الترشح لنيل مرتبة متقدمة من بين الكثير من المتسابقين. وبينما سينصرف المبلغ المعطى له في مسارب شتى، وسيزول أثره بمجرد إنفاق آخر دينار منه، فإن المتسابق ربما يضم الشهادة، سواء كانت بالمشاركة أو الفوز، إلى سيرته الذاتية، ربما يعلقها على الحائط اعتزازاً بها، ويبقى السؤال: وماذا بعد ذلك؟! لقد اكتشفنا طاقات جيدة، حفّزنا التنافس، شجعنا الإبداع... ثم؟
إن الكثير من المواهب التي سمعنا عنها، أو تلك التي عايشناها قد طواها النسيان والإهمال، وصارت، بعد المسابقات، وبعد أن تعداها قطار الشباب، وبعد أن اتجهت الأضواء إلى وجوه شبابية جديدة، من السائرين في دروب سار عليها غيرهم ممن سبقهم من الناس، وانخرطوا في عداد الموظفين، وربما الباحثين عن أعمال، وما عادوا يهتمون بما أنجزوه، ولو ذكّروا المحيطين بهم بتصدرّهم وسائل الإعلام لفترة قصيرة من عمر الزمن لما تذكر أحد، فالأحداث تتسارع يوماً بعد يوم، ولا يرسخ شيء في الذاكرة الفردية أو الجماعية، وبينما تراكم المؤسسات المختلفة أرقاماً بمن اشتركوا في مسابقاتها، وبكمّ الجوائز التي قدّمت، وبالشخوص الذين رعوا هذه المسابقات، فإن التساؤل لا يزال قائماً: أين ذهب كل أولئك “المبدعين” أو المتسابقين؟ هل لهم أثر اليوم في مجالاتهم التي برزوا فيها؟ هل لا يزالون يشقون طريقهم؟ كم منهم برز على مستوى إقليمي أو قارّي أو عالمي؟ الأهم من ذلك، من بعد البروز والظهور واللمعان، ما الذي يمكنهم عمله لكي يستثمروا أنفسهم في ما أبدعوا فيه؟ أين مجالات الأعمال والفرص المتاحة لهم؟
فلو جمعنا ما خرج من هذه المسابقات في السنوات الخمس الماضية، على سبيل المثال، لانتظرنا نهضة مسرحية عظيمة، وأعمالاً درامية خارقة، ونموذجاً موسيقياً بحرينياً خاصّاً، وثقافة بصرية فوتوغرافية من الطراز الرفيع، وبراءات اختراع متوالية، وإنجازات رياضية بحرينية مبهرة، أصلية لا مستأجرة، وروائع أدبية تتزاحم عليها دور النشر، وعلى فروع المسابقات يمكننا القياس والاستطراد، فالواقع في ما وراء هذه المسابقات لا ينبئ عن تغيّر واضح في ما ذكرنا من مجالات وما لم نذكر. فليس صحيحاً أن تدفع المواهب وأنصاف المواهب إلى درب كل ما يعلمون أن نهايته “جائزة” وتكريم وحفل، وينتهي كل شيء وتكون بهذا قد وصلت لمرامي الطماح، فهذا ما من شأنه أن يخلق جيلاً، بل أجيال، لا همّ لها إلا الفوز في مسابقات موسمية، ويحدوها زيف الإنجاز، وهي لا تزال عند العتبات الأولى في التعرف على ذاتها وما تنطوي عليها، فيحرمها هذا الفخر والصفيق والأضواء من أن تتعالى وتتسامق في البنيان من أجل تأصيل هذه اللوامع التي تكمن عميقاً في النفس، وتضعها على الدروب الصحيحة فاتحة لها طرائق الإبداع اللامتناهي، المتعطش للوصول لأفق لا حدّ له.
سأكون سعيداً جداً إن خطّأتني أي جهة حينما أقول إننا نفتقد المؤسسات والجهات المتلقفة لهذه المواهب، والتي تكافئها بالتدريس العلمي، والتدريب العملي المتقدم، والإعداد لما بعد الفوز والمشاركة، لأن كثيراً من المواهب تظلم لأنها لم تقدم نفسها بشكل جيد، أو لم يجر تقييمها بعدالة، أو لأنها تستحق الفوز ولكن منصات التتويج لا تتسع إلا لعدد محدود فقط من البارزين، فيجري ابتعاثها في دورات متخصصة تصقلها، وتعجم عودها، وتنقلها من باب التجربة والهواية، إلى التخصص والاحتراف.
والمشكلة الثالثة التي تواجه المواهب هي كيفية تدبير أمور عيشها حتى لو قُدِّر لها أن تكون على مستوى متقدم من الاحترافية، فمثل أجوائنا لا تفتح إلا نوافذ ضيقة جداً، ولعدد محدود من الموهوبين لكي يتخذوا مما يحسنون مصادر للدخل، وإلا فإن غاية ما سيفعله المبدع والماهر والموهوب هو إما أن يعمل موظفاً لثماني ساعات في أمر لا يتعلق من قريب أو بعيد بما يحب ويجيد، ثم يجرّ نفسه جرّاً إلى هوايته التي سيكون من السهل توديعها مع هموم الحياة؛ وإما أن يعمل موظفاً بهوايته، كمدرّس لها، حتى يفقد مع الأيام حساسيته لها، لفرط التكرار والترداد والانحباس في شكل أبعد ما يكون عن أصلها وجوهرها!
هناك مبدعون يأتون من العدم، وهناك من تساعدهم أجواء عائلية أو مدرسية ليكتشفوا ذواتهم، وهناك أناس يقودهم الطموح، وأناس يقودون طموحهم، وأناس يودون أن يجرّبوا ويتذوقوا، ولكن في غياب “ما بعد الخطوة الأولى”، سنظل نفرّخ مبدعين ونقول لهم: تصرّفوا.