سيكون هذا العام 2014، عام الانتخابات العربية بحقّ. فأينما تولي وجهك تجد الانتخابات يتصاعد خطابها، وتصعد إلى مقدمة الأخبار فجأة، وفجأة تختفي لأن عملية انتخابات أخرى جديدة ستحل محلها. ففي لبنان انتخابات من نوع مختلف، اختيار رئيس الجمهورية. في الجزائر انتخابات رئاسية أيضاً، ولم تخل من المفاجآت غير المفاجئة. في سورية أيضاً استعدادات مكثفة بين المتنافسين على الرئاسة، ولن يراهن أحدٌ على قطع يده أو ذراعه إن حدث ما هو غير متوقع بأن يصعد أحد المترشحين ليحل محل بشار الأسد رئيساً للجمهورية. الأمر نفسه سيكون في مصر، فالمسألة شبه محسومة، بل هي محسومة جداً، وسيكون حمدين صبّاحي أيقونة ديمقراطية السباق الرئاسي لأنه إلى الآن ينافس عليه رغم الفوارق البادية. وفي العراق، ربما ينشر هذا المقال بعد أن انتهى عدّ الأصوات في الصناديق الانتخابية، ورغم كل شيء، فإن النتيجة تبدو محسومة قبل أن تبدأ المسيرة. ولا ننسى أن مجلس النواب والمجالس البلدية في البحرين سوف تسخن “طيران التطبيل” الانتخابي عما قريب، وأقرب فرصة ستكون رمضان المبارك الآتي، ومن بعدها سيكون الشوط قصيراً من أجل الشروع في الحملات الانتخابية المعتادة بعد أطول أربع سنوات في عمل التجربة الديمقراطية في البحرين. من بين جميع الانتخابات التي جرت وستجري في الوطن العربي، تبدو وضعية العراق هي الأقرب لنا لأسباب عدّة، ولكن أهمها طريقة التصويت وأسسه ومبادئه. الأمر الذي يعيد السؤال مرة بعد مرة: هل نحن نستحق الديمقراطية، أو بشكل آخر: هل تليق الديمقراطية بنا؟
المتابع للشأن الانتخابي العراقي، وعلى أكثر من وسيلة إعلامية، سيرى أننا لا نزال (ونحن في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين) ننتخب على أساس واحد: الانتماء. فالحكم للطائفة والمذهب، ولتذهب الكفاءة إلى الجحيم!
وهذا الأمر هو ما ينطبق علينا في البحرين، حيث الانتخابات موزعة كيفياً على الانتماءات، الجمعيات ذات النفوذ، والاعتقاد بالفضائل والاستقامة، فلا يطمعنّ مرشحٌ بما ليس في يده، ولا يصوغنّ برنامجاً انتخابياً ثرياً، أو يعكف على بنوده، ولا يسوقنَّ الحجج والبراهين في أنه سيأتي بما لم يستطعه الأوائل، وأنه سيمثل عهداً جديداً غير الذي كان، وأنه سيعمل على تغيير الصورة، وأن المستقبل الأفضل سيأتي على يده، وأن القوانين سترتقي وتكون أكثر عصرية، وأنه سيسهل تمرير الملفات العالقة في المجالس واللجان بعد أن عجز عنها أسلافه المنتخبون، وأنه سيكون نائباً عن الوطن... كل الوطن. فكل هذا الكلام “مأكولٌ خيره”، لأن الحصّة الأكبر في نهاية المطاف ستؤول لمن تؤول لهم عادة، متدرجين من الطائفة (وهي المظلة العليا)، ثم إلى الانتماءات الأصغر التي تأتي بعدها، فالمرشح الأوفر حظاً هو الذي يستطيع أن يمرّ من ثقوب هذه المصافي جميعاً لعله ينال أصواتاً توصله إلى سدّة الكراسي الوثيرة. نسلّي أنفسنا بأن التغيير الاجتماعي إنما يراد له أن يحدث على مدى زمني طويل، ولا يمكن أن يكون مجرد أمنية أو جرّة قلم، وأننا لابد أن نصل القاع حتى يمكننا أن نضربه بأقدامنا لنصبح صاعدين إلى الأعلى لننجو من هذه الوهدة التي انكشفنا عليها، وهذا المستنقع الطائفي الذي يتبرأ منه الجميع وهم غارقون فيه إلى شحمة آذانهم قولاً وعملاً، لا فضل لجهة على أخرى إلا بالمزيد من التمرّغ في هذا الوحل العفن، ينظرون إلى “الوطن” على أنهم هم فقط، وإن ادّعوا عكس ما يبطنون، فإن في فلتات اللسان، وخائنة الأعين وما تخفي الصدور كثير، ويظهر جلياً في التصرفات والبيانات وما تحمله بين السطور.
هذا ما كان في الانتخابات الماضية، فما بالنا اليوم بعدما حدث ما حدث، وبعدما تألم من تألم، وبعد أن انفلقت العلاقات الاجتماعية، ورأينا من حسبناهم ذات يوم في عداد المترفعين عن الولوغ في أواني الطائفية وهم يتمرّغون في نعمائها، ويتكسّبون منها، ويتسيّدون الجموع، ويصدحون من غير حياء، متنكرين لتواريخهم، متأففين ممن يذكرهم بماضيهم الذي لم يكن يعرف التفرقة، ينطلقون من التبريرات عينها التي انطلق منها من درج في هذه البيئة وتربى فيها. باع البعض تقدميته، وطليعيته، و”نضاله”.. باع إنسانيته احتماءً بالطائفة واتقاءً منها بها، فلا عجب إن رأينا العامة من الجماهير تهتف بما لا تعرف، وتردد ما يُطلب منها أن تردد، وتبيع عقولها بالمجان لمن سيرديها من دون أن تدرك، وحتى إن أدركت شلّ إرادتها الخوف وانعدام البدائل... هكذا ستأتينا إذا انتخابات 2014، ونحن لا نزال نصطخب في ظل معطيات محلية وإقليمية تُعلي وتخفض من هذا الفصيل المذهبي وذاك، وتلفحنا رياح السموم جراء المواقف التي تجري على الساحات العربية المختلفة.
فهل نحن لائقون بالديمقراطية؟ هل نستحقها؟
نعم، لا نزال نجرّب، لا تزال في هذه الأمة بقية، لا تزال أمامنا الأبواب موصدة ولن تنفتح بيد واحدة، لا يزال الدرب طويلا والحرث يحتاج إلينا معاً، ولا تزال في النفوس بذورها الأجمل التي تنتظر الريّ حتى تنهض وتنفض عنها أردية الماضي وأسماله التي تسربلنا بها طيلة هذه القرون وأصبحنا نعيش فيها فنبدو للعالم في أقبح الصور وكأننا خارجون من كهوف التاريخ، ومازلنا نتعلم كل قصص التشظي وبقي أن نستوعب الدرس، ولا نزال نردد أن اعبد الله كما تحب، وعاملني كما يُحب، ولا يزال الأمل في هذه الأمة قائما، ولا يزال الحلم واردا.