قبل أسبوعين، كنتُ في العاصمة الكويتية حاضراً أعمال القمة العربية الاعتيادية، فلقيت أصدقاء كويتيين، ودارت الأحاديث فيما بيننا، وانثنت على الغزو العراقي للكويت، فقلت (بعفوية) إنني جئت إلى الكويت بعد الغزو، فقاطعني صديق بلهجة ودودة ولكنها لا تخلو من تأكيد حازم: “... بعد التحرير”! قلت: “نعم، بعد الغزو أتى التحرير...”.
وفي المناسبة نفسها (حضور القمة)، صادفت رئيس تحرير صحيفة عراقية، وحدث الشيء نفسه تقريباً، إذ قلتُ “أثناء الهجوم على العراق...”، فردّ بتؤدة لا تخلو من ثبات على مبدأ عنده: “تعني بعد تحرير العراق...”!
وأنا الآن بعيدا عن التأثيرات، أقول: مرّت بالأمس (التاسع من أبريل) الذكرى الحادية عشرة لـ “سقوط” بغداد. وأضع كلمة سقوط بين ظفرين لاختلافات كثيرة لتسمية وتفسير ما يجري في البلاد العربية. ولكنها حادثة لا يمكن القول إلا إنها كانت سقوطاً، أيّما كانت دلالات هذا السقوط، ولكنه كان سقوطاً مدوّياً لكل ما سبق وأن آمنّا به، وعرفناه عن العراق. إنه السقوط الثاني لبغداد بهذا الشكل، بعدما أسقطها المغول في العام 1258 للميلاد، وعاد مغول العصر الحالي ليسقطوها بعد 745 عاماً، والغريب في الأمر أن الحادثتين راح ضحيتهما حوالي مليوني قتيل!
بعد التاسع من أبريل، وبعد كل الذي نشهده في العراق بأسره، وليس في بغداد فقط، يتفجر السؤال الذي يُطرح في كل مكان حدث فيه تغيير في العام 2011، وهو السؤال الذي طرحته إذاعة بي بي سي منذ أيام: أيهما يأتي أولاً: الحرية أم الاستقرار؟!
إن وضع الأمور هكذا في حدّية بالغة في خيارين لا ثالث لهما، لونان متناقضان من دون تدرجات، كمن أراد أن يقفل الدائرة على الإجابة، وتحديد خيارين ليقعد الإنسان في أحدهما: الرمضاء أم النار؟ أو بالأصح: هل تريدون حرية وفوضى، أم ديكتاتورية وانضباطا؟
في بغداد، وفي كل بلد عربي، سواء تغيرت صورة نظامه، أم تغير نظامه فعلاً، أو لم تهبّ عليه أساساً رياح التغيير، ألا يمكن أن يحلم الناس بحرية مع أمن؟ حرية آمنة؟ أليس هذا ممكناً، وهل الأمن رفيق البطش؟ وهل الحرية تعني الفوضى لزوماً؟
إن الاستقرار في بعض الدول العربية ذات الأنظمة البوليسية، يعني أن يكبت الناس مخاوفهم لأن من حق أي لابس للبذلة الرسمية أن “يلطش” أي مواطن كفّاً وعلى المواطن أن يبلع لسانه حتى لا يأكل الكفّ الآخر، في سبيل أن جميع الطوائف والمذاهب والفرق والآيديولوجيات، تبقى خائفة من أن تتحرك، وبالتالي يتولد شعور متكهرب في أجواء البلاد باسم الأمن والاستقرار، وذلك عبر الإرهاب الأعم، الذي يشيع أنه إما هذا النظام أو الظلام، إما الحزب أو الحرب، وقس على هذا الكثير من التعبيرات التي تروّجها الأنظمة المستبدّة التي من مصلحتها أن تسوِّق لكونها الضامن للمجتمع من الاقتتال والفوضى، وهو الأمر الحادث اليوم في العراق، ما يجعل العراقيين يترحمون على الأيام التي كانوا فيها يحمدون الله لأن الأفكار لا رائحة لها مادامت منحبسة في رؤوسهم، وإلا عوقبوا على التفكير غير المنسجم مع النظام الحاكم. وليس في العراق وحده، بل في الكثير من الأنظمة ذات البعد الشمولي، عربية كانت أم غير عربية، وهي في تناقص على مستوى العالم بعدما كنا نأتنس بها لأننا صُحبة في همّ واحد، ووضعية واحدة، ولكن ربما يأتي اليوم القريب جداً أن تكون الدول العربية وحدها هي المبتلاة بهذا النوع من الأنظمة التي لا تزال تفكر بأنها ربُّ الأمن، وأن الأمن يقبع الناس في بيوتهم خائفين. يا لها من مفارقة بين معاني الأمن، فبدل أن يكون الإنسان آمنا على نفسه وأهله وماله وعياله وأفكاره وتحركاته، يكون مفهوم الأمن هو الاستقرار، ويكون مفهوم الاستقرار أن يقبع الناس تحت “بسطار” رجل الأمن، وبالتالي يشلّهم عن الحركة والتفكير، ويتحقق الأمن. وكفى الله المواطنين شرور الحرية!
إن أهم الأخطاء التي لابد منها في الدول التي تغيرت فيها الأنظمة بشكل أو بآخر، هي المسارعة بحلّ جهاز الأمن الوطني (الشرطة وما يتبعها من أجهزة) كون قياداتها، أو جزء مهم من قياداتها، قد تلوثت أيديهم وذممهم وشرفهم، في التعاطي مع الشعب، ويجري استبدالهم بقيادات أخرى، تكون في العادة أقل كفاءة، ويخشى الشرطي والضابط على نفسه من الخروج في الشارع حتى لا تنهشه الجموع المتعطشة للانتقام، والحديثة الانتقال، التي تراكمت لديها خبرات سيئة مع رجال الأمن في العهد السابق، إذ كان من المفترض أن يكون مصدر أمن، فصار – بفعل بوليسية النظام – رجل رعب وإرهاب، وهذه تجربة حدثت في مصر بعد سلسلة من القلاقل التي حدثت خصوصاً بُعيد الخامس والعشرين من يناير 2011، حيث توارى رجال الأمن خوفاً على حياتهم، وتركت البلد لتجارب الاعتياديين من الناس. هذا الخطأ الذي لا مناص منه على ما يبدو هو الذي يجعل تقبيل باطن حذاء الشرطي، أفضل وأجدى من الحرية التي ناضلوا من أجلها.
لقد عمل الكثير من الأنظمة العربية على ربط الاستقرار بالقمع، والأمن بالشرطة، والهدوء بالتكميم، وهذا ما يجعل الأحوال تنقلب في أدنى فرصة نظراً لاحتقان المجتمع، إنه يصبح كالمياه المتجمعة خلف السد، متى ما شعرت بضعف أو خلل أو تصدّع في بنيانه؛ ضغطت عليه لهدمه والانطلاق من بعده لجرف العمار والديار لزوال هذا الذي يمسك بها ويمنعها من سيلانها الطبيعي، وتمددها على الأرض.
نعم، إن الطوفان لابد أن يهدأ في نهاية المطاف، ولكن قد تبدو هذه النهاية بعيدة، وقد تعلو كلفتها، ويعمّ خرابها قبل أن تستقرّ المياه، والثورة الفرنسية خير مثال وشاهد على العسف الذي شهدته قبل أن تستقر عجلاتها على سكّة الاستقرار الفعلي، المجتمعي.
أحد عشر عاماً مضى على “السقوط” الثاني لبغداد، مؤذناً بنموذج جديد في التفكير: إما العسف وإما الخنوع، بينما الطرائق لحياة المجتمعات أكثر من هذين الخيارين الأمرّين.