عندما ينتهي العرس، أو المهرجان الكبير، يشعر الداخلون فيه، بالأخص المنظمون بفترة من الفراغ بعد شغل شاغل، وضجيج جميل ترك مكانه في السمع والنفس، وتمنى المنظمون والمدعوون أن يستمر الزمن بهم ويستطيل من دون أن يتوقف. ربما هذا حال القائمين على معرض البحرين الدولي للكتاب السادس عشر، ولكن بالتأكيد هذا لسان حال زوار المعرض نفسه.
في الثاني من أبريل 2012، كتبت في هذه الزاوية مقالاً بعنوان “لماذا تركت الكتاب وحيداً”، تعليقاً على معرض الكتاب نفسه في نسخته الخامسة عشرة، إذ كان المعرض في حال يرثى لها من البؤس، حاراته كانت خاوية، العارضون والناشرون الذين أتوا بأطنان من الأوراق في بلد القراءة والثقافة كابراً عن كابر، كانوا حينذاك يسندون ذقونهم إلى أكفّهم مللاً، ويغادرون أجنحتهم ليتبادلوا الأحاديث الجانبية مع زملائهم، فقلة قليلة كانت تجيء إلى معرض الكتاب، فيما كان معرض “مراعي” يعجّ بالحضور حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
هناك تحول كبير قد حدث هذا العام، وهو الأمر الذي لا يمكن إلا الإشارة إليه.
فمن أهم ما جرى في معرض كتاب هذا العام أن الوضع الأمني أقل انشداداً وتوتراً عما كان عليه في 2012، إذ كان الناس إذ ذاك يخرجون متلثمين بملابسهم اتقّاء مسيل الدموع، وخشية أن يقعوا في وسط المواجهات التي لا ناقة ولا جمل لهم فيها، فيصابون أو تصاب سياراتهم بالأذى، خصوصاً من يأتي بصحبة أسرته، لا يأمن أن ينجو بنفسه، فكيف سيحمي أسرته ويقودهم إلى الخروج من هذا المأزق (إن حدث) بأمان؟! في هذا العام كانت هناك مظاهر أمنية في بعض الأيام، ولكنها أبداً لا تقارن بما كانت عليه قبل عامين.
قبل عامين أيضاً، قادت أطراف من المعارضة، وربما متحمسون فقط وليسوا رسميين في هذه الأطراف، حملة لمقاطعة كل ما هو رسمي، وكل ما تنظمه الجهات الحكومية من فعاليات، خصوصاً الثقافية منها ذات الطابع الشعبي، فالكتاب اليوم بات منتشراً في الإنترنت، ويمكن طلبه من دون الذهاب إلى معرض الكتاب. وربما لم تستمر “الفتوى” ومفعولها هذا العام. إذ أذكر أن واحدة من زياراتي الثلاث للمعرض في العام الماضي صادفت “صديقاً” للمعارضة، وقبل أن نتبادل الأسئلة التقليدية، بادرني بما يشبه التبرير والاعتذار، لأنه حضر المعرض ليرى صديقاً له من الناشرين العرب، وأنه لم يشتر شيئاً!
للحضور مدلول آخر، وهو أن النفوس قد لانت بعض الشيء من بعد طول يَبَس، وأن الناس تعود شيئاً فشيئاً إلى طبائعها، ويمكنها أن تتخلص من جميع كوابحها لو زالت الأسباب الرئيسة الكامنة وراء الجمود بكل نواحيه. أما هذه الإشارة بالعودة الكثيفة إلى الكتاب ومعرضه، بحد ذاتها مما يمكن أن يُبنى عليه في تشغيل جميع الآليات الكفيلة بتحريك المياه الراكدة في بركة حلّ المسألة البحرينية، لكي يعرف كل أناس مشربهم، ونتحول لملاحقة ما فاتنا طيلة السنوات الثلاث الماضية ونحن على درجة عالية من التوتر على كل صعيد، بينما الإنجازات والمكاسب تمرّ بالقرب منا وليس لنا نصيب فيها.
إن احتشاد أناس كثر، من شتى الأطياف المتقاطعة، في هذا المعرض، بأن أوقفوا سياراتهم في الساحات المحيطة بمركز البحرين الدولي للمعارض بعدما لم يبق للفولاذ محل في مواقف السيارات، قد كسر مقولة إن مثل هذا الازدحام لا يحدث إلا لـ “معرض الخريف”.. صحيح أن النسبة بين المعرضين لا تقارن من حيث عدد الزوار، ولكن أن يتوافد الناس على معرض الكتاب بهذه الكثافة، فهذا شيء مفرح جداً يشير إلى تلمس الناس لحياة عفيّة صحيّة يمارسونها بكل بساطة، كبقية البشر.
في معرض الكتاب هذا الذي انفرط عقده للتو، كانت هناك مظاهر جميلة تجلّى بعضها في كمية المشترى من الكتب، إذ إن الناس يخرجون حاملين أكياساً. فعلى الرغم من همهمات بارتفاع أسعار الكتب وغلائها، ومبالغة بعض دور النشر في تسعير كتبها، مطالبين بحسومات أكبر على أسعار الكتب كونهم قد جاءوا معرضاً. بصرف النظر عمّا اشتراه الجمهور أو أقبل عليه من تصنيفات الكتب، ولكن أن يبقى للكتاب بريقه، وأن يظل يحتفظ بألقه وسط كل هذه التحديات، وأن يجري الإقبال عليه بهذا الزخم والكثافة، فهو أمر مفرح وجدير بالالتفات.
واللافت أيضاً، وجود صغار السن الشباب والمراهقين، يسألون بشغف بالغ عن روايات بعينها، ترى في وجوههم خيبة الأمل إن قيل إنها نفدت، يعاودون طرق السؤال مجدداً كيف يمكنهم الحصول عليها، وما إذا كانت تباع في مكتبات البحرين، مكذّبين مقولات مفادها أن جيل المراهقين قد هجر القراءة والكتاب لصالح الإنترنت والهواتف الذكية والتلفزيون، ويا لها من منافسة غير متكافئة، قد كسبت التكنولوجيا الحديثة الكثير من الجولات، اختطفت ثقافة الصور والتراسل والتواصل، والإبهار، الناس من القراءة، فهاهم يعيدون التوازن من جديد، ويعدّلون من تلك المقولات ليراجع أصحابها هذه المعادلة، ويدرسوا هذا الجيل وما الذي يتطلع إليه، وكيف يمكن أن تتم مخاطبته.
ملاحظات كثيرة يمكن الخروج بها من هذا المعرض، وصور كثيرة يمكن أن تبقى في الذاكرة، ولا تغادر المشهد، ليس لأنها المرة الأولى التي يشهد فيها إقبالاً كثيفاً من الحضور، ولكنه يأتي بعد برود استقبال، وبعد نكوص وتثاقل، مبشّراً بأن ثقوباً من الأمل بدت تتسع في جدار القنوط، يتسرب منها ضوء الشمس، على أمل أن يسقط الجدار ذات يوم.. وإلى الأبد.