في حديث نبوي شريف، يُروى قوله صلى الله عليه وسلم: “اعملوا، فكلٌّ ميسّر لما خُلق له”. وربما يكون سياق الحديث مختلفا عن ما سنتطرق إليه، ولكن لهذا التفاوت في المقدرات والأذواق والأفهام، نجد أن الوظائف التي يطرحها سوق العمل في كل فترة، التي تتجدد بحسب تطورات الأحداث والأحوال، وخروج وظائف ودخول أخرى بواقع التقدم العلمي، هذه الوظائف كلها مشغولة بالعاملين فيها، وبعضها تنتظرها طوابير طويلة تريد أن تجد الفرصة لتشغلها. بعض هذه الوظائف بسيطة، وبعضها عالية جداً، وبين هذه وتلك وظائف متدرجة، وبحسب ما يسّر الله الناس إليه، فإنهم يطمحون إلى وظائف معينة قد تراها – أيها القارئ الكريم – أنها دون طموحك، أو أنها تناسبك تماماً، أو أنها ما اكتشفت أنك تريده بالفعل، وقد تراها أيضاً أنها فوق ما حلمت به يوماً، أو أنها متعبة... وهكذا، فإن من بين الناس من خلقوا لوظائف محددة، وكأنهم قد وُجدوا على هذه الدنيا ليمارسوا أدوارهم من خلالها.
كذلك الوزارء والمسؤولون والقادة في كل مكان في الدنيا، فهناك الكثير من الناس يصبحون مسؤولين (في رتبة وزير أو ما أشبه)، ولكن ما يعلق في أذهان الناس القليل منهم فقط. هذه القلة التي أحسنت في أعمالها، وكانت الوزارة تليق بها، وهي تليق بالوزارة أو المسؤولية. حيث تتباين القدرات بين مسؤول وآخر، وتختلف التكتيكات الخاصة بحل المشاكل، وابتداع الفرص، والتطوير والانكباب للتفكير في دورة العمل فيما يلي المسؤول من مسؤوليات، النظر إليها من الخارج، التفكر فيها، وضع السيناريوهات الخاصة بتطويرها، مناقشة الدوائر الأقرب إليه في العمل، التشارك في صنع القرار مع المستويات الأقل فالأقل، سؤالهم عن رأيهم في أعمالهم، والعودة من جديد من أجل وضع التطوير عبر التغذية الراجعة حتى يمكن أن تتطور الأعمال، ويتسق الأداء، وينمو العمل ولا يراوح مكانه، وحتى يترك كل مسؤول بصمة في مكان عمله تبقى موجودة مهما تطاول الزمن. وهذا من حق الإنسان أن يفخر بما أنجز قبل أن يغادر هذا المكان أو ذاك ليمضي في حياته العملية، أو إلى مرحلة جديدة من الحياة بعد التقاعد.
ولكن الأمر سيبدو مختلفاً عند الحديث عن من هم في مرتبة الوزراء، أو من هم في الدرجة نفسها، ليس في بلادنا وحسب، ولكن في عدد من البلدان الأخرى المجاورة والأبعد بعض الشيء، إذ يمكن ملاحظة الكثير من المشاكل تظل موجودة رغم تقادم الزمن، وتغير الوزراء، وأطقم المسؤولين، وعلى الرغم أيضاً من كفاءة المسؤول، ومستواه التعليمي، ولكن السؤال يظل يتردد: لماذا المشاكل والقضايا والشكاوى تظل كما هي؟ هل هو نقص علم؟ نقص دافعية؟ قلة خبرة؟ نقص موازنات، مع أن الكثير من المشاكل ليست بحاجة إلى بنود جديدة من الموازنات؟
لن أدّعي القيام بمسح أو دراسة علمية لكل البلدان التي أعنيها، ولكن الملاحظات التي ترد في الصحف والجلسات والاتصالات بالآخرين، تكاد تكون متطابقة بالنسبة للوزراء، مع فارق الكيفية في التعيين في كل بلد، إلا أن النتائج تكاد تكون واحدة. فأكثر ما يشلّ الوزير (خصوصاً) عن القدرة على أداء ما يريده ويخطط له، هو وقوعه تحت تأثير أكثر من دائرة لصنع القرار في الدولة التي هو حكومتها، فكل جهة تدّعي (وادّعاؤها صحيح في الكثير من الأحيان) أنها قادرة على جعله يستمر في منصبه، أو كفّ يده عن وظيفته. وغالباً ما تأتي هذه الضغوطات، والتوجهات والتوجيهات، والمطاليب، والأوامر، متناقضة مع بعضها، أو متقاطعة ولكن في اتجاهات مختلفة، ويحاول المسؤول أن يحقق لهذا رغبته، ولذاك الطرف توجهه، ولهذه الجهة تطلعاتها، وهكذا ينتهي الوزير إلى حالة من الإنهاك النفسي والعصبي والجسماني الشديد، من دون أن يجد الفرصة والوقت للالتفات إلى جهته التي يشغّلها فوق طاقتها، حتى تلبي كل هذه الضغوطات التي تحلّ عليه، وينتهي بذلك إلى “مسيّر أعمال” أو منفذ توجيهات، وليس وزيراً مبدعاً، مطوِّراً، محسِّناً، مغيِّراً، في شؤون وزارته، بما ينعكس على الخدمات التي يقدمها، أو الرسائل التي يوصّلها.
وحتى يرتاح بعض الوزراء من هذا الإعصار، فإنهم يلتجئون إلى أكثر الجهات قوة ونفوذاً حتى يتلقوا أوامرهم من جهة واحدة عوضاً عن عدة جهات، ولكن عليه أيضاً أن يأذن بحرب تلك الجهات عليه، وسعيها لإزاحته عن منصبه لتأتي كل منها بمرشحها، فالطريدة واحدة، ولكن البدائل كُثُر.
ففي بعض الدول يقال إن من تدعو عليه أمّه يُعيَّن وزيراً، فهو لا يخلو من تناقض التوجهات الضاغطة سياسياً، ولن ينجو من البرلمان الذي يبالغ بعض النواب في القسوة على الوزراء لا لحجّة بيّنة سوى الاستعراض والبهلوانيات أمام ناخبيهم، وفهمهم المغلوط والمشوَّش لمعاني المحاسبة والاستجواب، وأسئلتهم، واستفساراتهم، ورغباتهم التي تجعل الوزارات مشغولة متراكضة لسدّ هذا الباب، أو لتنفيذ توصية، إضافة إلى السهام التي توجه إلى الوزارات بشكل عام، والخدمية منها بشكل خاص من قبل الصحافة، ووسائل التواصل الاجتماعي، عدد من التهم تكون جاهزة لدى عدد كبير من الذين يمسكون بأيديهم هواتفهم الذكية ليوزعوا ما طاب لهم من تهم على المسؤولين، بدون أي رادع أو مسوِّغ، ثم يأتي الوزير عند كشف الحساب، ليكون فاشلاً في التطوير، والتعديل، والتحسين، والارتقاء، وأنه ترك الوزارة كما دخلها، وأن الشيء الوحيد الذي عمله، أنه جدد أثاث مكتبه، ليأتي شخص آخر قد يسّره الله ليصبح وزيراً (أو مسؤولاً رفيعاً) ويدخل الدوامة ذاتها.
صحيح أن هذه المناصب رفيعة وحساسة، وأن تكلفتها عالية أيضاً على الموازنة، لأن المتوقع منها كبير بحجم المسؤولية المسندة، ولكنها تفتقر إلى الرؤية الواضحة الواحدة الصادرة عن مصدر واحد متوافق عليه، يرسم خطوط المستقبل المتوسط والقصير، ويمكن للوزير حينها الاعتذار بلطف ولباقة لكل التيارات التي تريد حرفه عن مساره لا من أجل إفشاله، ولكن لتحقيق غاياتها هي، وليتأخر الوطن ما حلا له أن يتأخر، فالدنيا لن تطير!