في اجتماع حضرته في إحدى المؤسسات الرسمية، ضمّ حوالي 14 من كبار مسؤوليها، تمت مناقشة العديد من القضايا، ثم علق النقاش عند نقطة معينة صغيرة. في الحقيقة كان بالإمكان حلها وتجاوزها سريعاً، ولكن كان من الواضح أن هناك رواسب بين المجتمعين، وليست هي هذه النقطة بعينها. لذا كانت هي فقط محاولة إثبات وجهة نظر، و”الانتصار” على الزميل/الخصم من خلالها. فلما طال الجدل واستبان عقمه و”مصخت السالفة”، ضرب المسؤول الأول في المؤسسة بيده على الطاولة قائلاً: “أيها السادة، على هذه الطاولة كبار المسؤولين في المؤسسة، إن كلفة ساعة العمل لكل هؤلاء، التي ضاعت في هذه المناقشات الجدلية أغلى من جوهر النقاش الذي تديرونه...”.
لا أذكر حقيقة بقية الحديث، ولا إلى أين انتهى، ولكنني استعدته وأنا أنظر إلى الزعماء العرب وقد انتظموا على طاولة القمة العربية الخامسة والعشرين التي اختتمت أعمالها في الكويت أمس (الأربعاء)، وأحاول – عبثاً – أن أحسب كلفة ساعة العمل لهم جميعاً، الزعماء العرب ووفودهم الرسمية المشاركة، وهذا طبعاً مستحيل، ولكنه لا ريب “كلفة عالية” بحسب العدد، وبحسب المكانة.
في غالبية قمم جامعة الدول العربية، إن لم يكن جميعها، ينصرف جزء جوهري ومهم من الوقت الثمين الذي يفرّغ فيه قادة الدول العربية وأطقمهم المرافقة من كبار المسؤولين، وعدد من صغارهم أيضاً، للمصالحة بين الدول في خلافاتها التي لا تنتهي، والتي تنبع متجددة طوال العام، ويعمل رئيس الدورة (أية دورة عربية) على تكثيف الاتصالات طوال العام من أجل تقريب وجهات النظر بين هذه الدول، ويكون النجاح، قمة النجاح، أن تهدأ الأجواء المتوترة بين دول وأخرى، إما بشكل ثنائي أو أكثر من ثنائي، على أمل أن يبدأ من بعد هذا العمل التضامن العربي، والتكامل العربي، ولكن تحدث المفاجأة (التي لم تعد مفاجأة على أية حال لفرط تكرارها)، وذلك بتفجر خلافات قديمة جديدة، أو جديدة كلياً بين دولة عربية وأخرى من جديد، أو مع جاراتها غير العربيات، ولتبدأ دورة أخرى جديدة من تهدئة الأجواء وتنقيتها، والرحلات المكوكية للوسطاء بين هذه العاصمة وتلك، وكل هذا الجهد والوقت يضيع هباء، ولكن لابد مما ليس منه بدُّ.
إذا كان هذا حال حساب الأوقات المهدرة في جلسات تستمر يومين، فكم ضاع على هذه الأمة من ساعات عمل وكلفتها وهي طيلة السنوات التسع والستين الماضية، إذ لم تخلُ سنة منها من مناكفات، وخلافات، ووساطات، وتوترات، وأحياناً مناوشات عسكرية حدودية، وكم هو بأسنا بيننا شديد، وكما يسخن فيما بيننا الحديد، بينما حديدنا على عدونا الواضح بارد صامت وبنى عليه العنكبوت بيوتاً، وربما لو فتشنا جيداً لوجدنا في فوهات مدافعنا بيضا لحمام اطمأن لسكون واستكانة السلاح العربي الموجّه ناحية الكيان المغتصِب للقلب المغتصَب. وحجّة بعض الأنظمة هي أنه ما لم يتم التخلص من العدو الداخلي فإننا لا يمكننا مواجهة العدو الخارجي. وتكثر فيما بيننا التأويلات عن من هو العدو، وتظهر على السطوح الفضائح، والتقارير، الصحيحة منها والمفبركة (يا الله كم أكره كلمة “مفبركة” هذه لكثرة ما ابتذلناها في السنوات الأخيرة)، وتنتهي المسألة في يوم، في شهر، في سنة، ويتصالح المتخاصمون، ويبتسمون، ويرددون أنها كانت “سحابة صيف”، وأن العلاقات و”الوشائج” [1] أعمق من الخلافات الطارئة. ولكن يتبدى بعد قليل من الوقت، أن الصلح والحياة الطبيعية المستقرة، والتعاون وتبادل المصالح في المسيرة العربية هي السحابة الصيفية المنفردة، غير المحمّلة بالمطر، والتي لا تلاقي من الغيوم ما تصطدم معه ليهطل الخير منها، فلا صوت لهزيم رعدها، ولا ضوء للائح برقها، التي لخفتها وعدم اكتنازها بماء السماء، تمرّ سريعاً من دون أن تترك على الأرض ظلاً. ونتساءل، ولا يحقّ لنا التساؤل حتى لا ننكأ الجراح، ولا نتحدث عمّا انقضى وراح: ما حقيقة كل الذي ظهر إبّان الأزمة؟ فلا نجد جواباً، أو يكون الجواب: “المسامح كريم!”.
إن الحديث ليس عن أنظمة عربية بعينها، ولكنها منظومة فكرية عربية، ترى الأمم الأخرى تنفض عنها قيودها الوهمية، وتسارع لاقتناص ما يتاح من وقت، وما بقي من موارد لتوازن ما بين تطلعاتها للنمو والتقدم على المستوى الإقليمي والدولي، وبين تحدياتها الداخلية والخارجية، وتحاول تحصين بناءاتها وتنقية ثغورها من الخلل والمعايب، وتقيم العدل فيما بين أهليها، وتأخذ بأسباب القوة العلمية والفكرية والعسكرية والسياسية، وتطوّح بالديكورات المصنوعة من الورق المقوى لتنمية هشّة هزيلة، لأنها إذ ذاك إنما تضحك على نفسها، وتخدع أناسها الذين لفرط وعيهم باتوا لا ينخدعون لتلك الدعايات القديمة المطبّلة لأرقام يجري تدبيجها، وشراء ذمم مسؤولين أمميين ليقدّموا هذه الدولة على تلك في مؤشرات التنمية البشرية والإنسانية وغيرها من المؤشرات، بينما الداخل أجوف، والله يشهد فوق الجميع، انهم لكاذبون!
في خلافتنا، في مشاكلنا، في عاهاتنا، في حروبنا البينية، في غضب شعوبنا على أنظمتها، في غضب أنظمتنا على شعوبها، في تردّينا، في تخلفنا، في فشلنا، في عدم ربحنا معركة سياسية، أو موقعة كروية، لدينا دائماً الحل والعذر، وهو (لكثرة ما نستخدمه) لا يقعد على الرف، بل بين أيدينا دائماً، فهناك الولايات المتحدة، و”إسرائيل”، يكمنان لنا وراء الباب، متسببين في كل ما نحن فيه من آثام وشرور وتخلف وتراجع وتناحر، وهما معاً، أو منفردين وراء ملوحة بحارنا أيضاً، وندرة أمطارنا... شماعتان جاهزتان لكي نرمي عليهما ما شئنا من فشلنا وعجزنا وخورنا عن النهوض من بعد طول ركون إلى الأرض، وإن حاول بعضنا إرجاع اللوم إلى أنفسنا قلنا له إن هذا من قبيل جلد الذات... يا أخي فلنجلد ذواتنا لعل عصباً يثور، أو إحساساً يتحرك بأننا (كأمّة) نضيع الأوقات تلو الأوقات.
على أية حال: كم يمكن أن تكون قيمة ساعة العمل لجميع الحكام العرب؟
[1] فائدة: الوشيجة هي عرق الشجرة، وليف يُفتل ثم يشدّ به ما يُحْمَلُ. ووَشِجَتِ العُرُوق والأَغصان: اشتبكت (لسان العرب).