غداً الثلاثاء، الخامس والعشرون من مارس 2014، ستكون الأمة العربية على موعد مع قمة جديدة من القمم العربية، قمتها الخامسة والعشرون أيضاً، التي تلتئم في العاصمة الكويت. وهذه المرة تنعقد القمة العربية في أجواء مختلفة، إذ تمرّ الأمة العربية بمنعطف خطير من تاريخها المعاصر، وفي ظرف بالغ الدقة والحرج من مسيرة أمتنا!
ألا يبدو ما تقدم جزءاً من البيانات الختامية التي تعقب كل مؤتمر من مؤتمرات القمة العربية؟ ألن يقدّر لهذه الأمة أن تسير في طريق مستقيم بدلاً من المنعطفات التي لا تنتهي، والتي انتهت بها إلى أن تدور حول نفسها منذ تأسيسها (22 مارس 1945)، على الرغم من كل المشتركات التي تغنينا بها، وتغنى بها الأقدمون، ودفع عشرات الآلاف أرواحهم فداء لها، وانهالت الأموال دعماً لقيمها النبيلة، التي لا ينكرها إلا منكر للعروبة ومتبرئ منها.
إن هذه الأمة التي تمتد على مساحة تفوق مساحة الولايات المتحدة بنحو 3.5 ملايين كيلومتر مربع، وشعبها يزيد عن شعب تلك الدولة بما يقارب 24 مليون نسمة، تقف على مسافة شاسعة عن تلك الدولة التي تقود العالم في مناح شتى، بما يثبت أن الأحجام والأوزان لا تعني الكثير إزاء الفعل والقدرة على الفعل نفسه، والرغبة الحقيقية، والعزم في مزاحمة أكتاف الأمم الأخرى على تبوّء المكانة التي نعتقد أننا نستحقها حقاً وصدقاً، وليس تغنّياً بمآثر الماضي، وتباكياً على ما فرطنا فيه.
سيكون من العجز الكبير إن تمادت أمتنا في تطرفها المفرط في أحد الاتجاهين: جلد الذات، أو التباهي بما لم تصنع، الأمران يدخلانها في سراديب الأوهام واليأس وعدم القدرة على قراءة الواقع، والمعرفة الحقيقية بموقعها من العالم، وهو الموقع الذي لا يتناسب أبداً مع كل إمكاناتها المتوفرة لها، المستغلة منها وهي قليلة جداً، بالمقارنة مع الإمكانات البشرية التي يمكنها من خلالها استنهاض عزائمها والمضي إلى ساحات جديدة بتغييرات جذرية في “بنية العقل العربي”، كما ابتدعها الراحل الكبير محمد عابد الجابري.
فـ “لا” تكون هناك نهضة للأمة العربية مادامت لا تقيم وزناً لعلمائها. والوزن هنا ليس التكريم والتوزير ومنحهم المناصب الإدارية المقيّدة لطاقاتهم، بل الأخذ بدراساتهم ونتائج أبحاثهم وتطبيقها، وجعلها دستوراً لتقدمها ورقيّها.
و”لا” يمكن للأمة أن تخرج من منعطفاتها المستمرة، التي لا يبدو أن لها آخر اليوم، إلا ان قررت أن تضع حداً لهذا العبث العربي العربي، وأن تقف الدول العربية مع نفسها، وتوجه طاقاتها وإمكاناتها، وأموالها (كلٌّ بحسب طاقته) للتنمية الوطنية التي تتجه للإنسان، وليس للبنيان والعمران، والتي تعلي المدارس والجامعات، وليس السجون والأسوار والحدود السياسية، هذه الحدود التي نقول فيها “ما لم يقله مالك في الخمر”، بأنها حدود مصطنعة، أقامها الاستعمار لتفريق الأخ عن أخيه، ومع ذلك فإن الأنظمة العربية مستعدة للقتال حتى آخر جندي (يا لها من عبارة مبتذلة تعقبها هزائم مريرة في العادة)، لو تعدت دبابة عربية “شقيقة” حدودها البرية، أو انحرفت طائرة حربية لدولة عربية جارة إلى الحدود الجوية لجارتها، أو انجرف قارب صيد لدولة إلى الحدود الإقليمية لدولة أخرى... نعم مستعدة للقتال حتى آخر جندي، ولكن أن يبقى النظام صامداً لأن كرامة الدولة من كرامة من يعتلي الكرسي، وليذهب الجنود إلى الجحيم إن شاءوا!
و”لا” سبيل لرفع الحرج عن الأمة العربية إلا برفع الظلم والقيود والعسف عن أبناء الأمة، فما الأمم إلا البشر المنتمون إليها، وما الأمم إلا كرامة من يحملون هويتها، وليست أوراقها الثبوتية التي يمكن التحصل عليها من طرائق شتى، فهذه الانتماءات القارّة في النفوس، المتجذرة في الشرايين، المفدّية لعزّة العروبة، قد بقي منها القليل، إن لم تلحظوا. لأن الأمم قد تكالبت علينا من كل حدب وصوب، وأضعفت في الأجيال الجديدة روح الانتماء الوطني الأوسع، وجعلت العولمة من الأجيال الجديدة تعرف عن شوارع نيويورك أكثر مما تعرفه عن أقطارها، فما بالنا بالوطن العربي، الذي لو سئل طالب في الثانوية العامة اليوم عن تعداد أركان هذا الوطن لما وصل إلى البلد العاشر إلا بشق الأنفس، فكيف يمكن أن تناطح أمة الأمم الأخرى من دون شعوب تستشعر دوائر هذا الانتماء، من الدائرة الخاصة إلى الدائرة الإنسانية عامة، من دون إسقاط للدائرة العربية القومية، وهي الدائرة التي حاولت أفكار وأيديولوجيات في العقود القليلة الماضية أن تعيبها، أو تحرّمها أو تجرّمها باستبدالها بانتماءات أخرى، وكأن من المعيب أن يعتزّ الإنسان بعروبته كما يعتز الألماني بألمانيته، والياباني بيابانيته، أما الأميركي، فحدّث ولا حرج في استعراضه بانتمائه الوطني بملء فمه، ولكن الحرج أن يجأر العربي بعروبته!
كما أنه “لا” يمكن أن يستقر حكم عربي كان أم غير عربي، من دون “العدل”، الذي هو إن شئتم أساس المُلك، وأساس الحُكم إن شئتم، حيث يطمئن المواطنون أن حقوقهم مصانة، وكراماتهم محفوظة، وأموالهم في عين النظام وليست في جيوب متنفذيه، ولا يوجد تجاوز بدءاً من طابور الخبّاز حتى طابور تولي أعلى المناصب.
هذه – أيها القادة الكرام – بعضٌ من لاءاتنا العربية الإيجابية، فالله الله فينا... فـ “لا” غالب إلا الله”.