العدد 1983
الخميس 20 مارس 2014
أسلمنا.. والروح جاهلية! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 20 مارس 2014

مع أن الأمور كانت واضحة وضوح الشمس في رابعة السماء، والكل يعرفها، ولا سر كبيرٌ وراءها سوى بعض الأمور الخاصة بالتمويل، وحتى التمويل لا يعتبر ذا أهمية لأنه في النهاية “تحصيل حاصل”؛ إلا أن تجميع “بي بي سي العربية” في برنامجها “أثير الكراهية” الذي بثته هذا الأسبوع، لعدد لا بأس به من قذارات بعض محطات الفتنة والتحريض الطائفي، كان يدعو إلى الغضب كما يدعو إلى الامتعاض الشديد، بقدر ما كان يدعو إلى الغثيان والقرف مما جرى عرضه.
فلقد عرض البرنامج – لمن لم يشاهده مساء الاثنين الماضي، أو يسمع ملخصّاً له صبيحة الثلاثاء – “بعضاً” من القنوات الطائفية اللاعبة على وتر التحريض الطائفي، ونبش شواذ الكتب والفتاوى، واستخلاص أشدّ ما أنتجه متشددو ومتطرفو المذهبين الإسلاميين الأساسيين، الذين لا همّ لهم إلا اللعب على عواطف العوام، وإذكاء نيران الفتنة، والتمترس وراء خصوصية المذهب، وإيهامهم أن إسلامهم لا يكتمل إلا بنفي الآخر، ومحاربته، وتكفيره، وإن استلزم الأمر قتله، أو السكوت عن قتله مادامت الفتاوى تترى بسوء منبته، وفساد عقيدته. هؤلاء هم أنفسهم الذين يساهمون في الكراهية والتمصلح من خلالها، والحصول باسمها على المال، وضمان وظائف للبعض منهم، ومكانة طائفية مميزة للبعض الآخر. وهم لا يخجلون مما هم عليه، ويعتبرون هذا الذي يفعلونه عتبات موصلة إلى رضا رب العالمين عنهم. وإذا كان بعض الذين يمارسون هذا “العهر” المذهبي لا يحملون رتباً علمية في الدين فيمكن الصفح عنهم، والتماس بعض العذر لهم، فكيف الحال بالمعممين من الطرفين الذين لم يساورهم الخجل وهم يلعبون هذا الدور الماضي في قذارة التحريض.
قد نفهم أو نعذر أناساً لا يخالطون أتباع المذاهب الأخرى، ولا صلة بهم إلا من خلال المنقولات، لا يتماسّون معهم، ولم يصادفوهم، ولكن من أين نأتي بالعذر لأناس يعيشون بيننا، ويتنفسون معنا، ويخالطون أيامنا، ويجاورون أحلامنا، أن ينساقوا وراء هذا الخرف، ويعيدونا إلى أمم لا يد لنا عليهم، ولم نعش معهم، ولا نُسأل عمّا كانوا يعملون، فيحيونهم في وسطنا، ويبدأ الجميع في الحديث نيابة عن الأسلاف، والتبرير عوضاً عنهم، والهجوم باسمهم، وتنتفخ الأوداج غضباً وحنقاً حين يجري تحقيرهم، بالشكل السوقي الذي تتبارى فيه أعلى ملكات الانحطاط على ابتداع اقذر ما يمكن أن يخرج من بين فكي إنسان من أوصاف.
وقد نجد العذر لأناس ذوي حظ متواضع من التعليم، ولكن كيف يمكن أن يجري تبرير مشاركة مثقفين وحاملي شهادات عليا في هذا الهراء الطائفي من دون أن يخجلوا من شهادات علقوها على حيطان مكاتبهم، ولم تمسّ أخلاقهم، أو تغيّر في سلوكياتهم، ولم تحسّن نظرتهم إلى الآخر. بعضهم في صلب عمل تلك المحطات، وبعضهم يشارك بالرأي، والبعض الآخر يجد نفسه فيما يجري طرحه، يروّج له، ويصفق مبتهجاً أن لطّخ نفسه بساعة من الاستماع والاستمتاع بـ “الحجج” و”البراهين” التي تدحض والأنكى من ذلك أن غالبيتهم كانوا قد تلقوا علومهم في دول غربية متقدمة، فلا أثرت فيهم الدراسة ولا التماس مع مجتمعات تجاوزت منذ قرون ثقل الانشداد إلى الماضي، وانطلقت إلى الغد، خالقة فجوة علمية ومعرفية هائلة عنا نحن الذين لا نزال نبحث عن من هو أحق بالخلافة، وما إذا كان رواة هذه الحادثة أو تلك من العدول. فيا لضيعة تلك البعثات التي يعود منها هذا النفر من الناس يحملون أسفاراً لا يستفيدون منها، بل يكون علمهم معول هدم في بنية مجتمعاتهم.
ولن نجد العذر لهذا الإنفاق المالي، وجمع التبرعات لتغذية هذا النوع من المحطات طمعاً في الذبِّ عن المذهب والعقيدة، سواء كان من المتمولين الأفراد أم من الأشخاص الذين بالكاد يجدون ما ينفقون على قوت يومهم، ولكنهم يتبرعون بفوائضهم الصغيرة لما يظنونه انتصاراً لأفكارهم حتى يكونوا أكثر طمأنينة أنهم على دين الحق، بل على مذهب الحق. وأن الدين لن يكون خالصاً لله إلا إذا جرى هدم جميع بنيان من يخالفهم في الملة والمذهب والعقيدة. وبينما الهند تضم 1500 دين، ويستطيع أهلها التعايش في غالبية أيام السنة، فإن أتباع مذهبين من دين واحد لا يمكنهما الالتفات إلى شؤونهما الحياتية، ويعبدان الله كما يشاءان من دون أن يكون من الضروري الوضوء بدم الآخر والسجود على جثته. فحتى لو لم تؤدِّ هذه القنوات إلى القتل المباشر، فالفتنة أشد من القتل، والكراهية إرث ثقيل يصيب القلب بالاحتشاء، ويجعله لا يأنس إلا مع أكثر الناس شبهاً به، ينكفئ على نفسه، يتحصن بجماعته، يتقوقع في ذاته، ولا يعود بإمكانه أن يخرج إلى الهواء لأنه بدونهم ضعيف، وكلما خاف على نفسه مما فعل هو أو فعلت جماعته؛ كلما ازداد التصاقه بهم لأنه يعلم أن الدنيا سرعان ما تدور، ويصبح هو وزمرته في العدوة السفلى، وحتى لا يأتي هذا اليوم، فإن حلم “الخلاص” من الآخر يزداد رسوخاً في نفسه، فتزداد شراسته في دحر الآخر حتى لا تقوم له قائمة.
إن دوامة الكراهية وتبادل تراشق القاذورات بين محطات الفتنة الطائفية، التي أشار إليها التقرير والتي لم يشر، قد جعلت القائمين عليها والعاملين فيها في سباق للغوص عميقاً في الوحل. حياتهم مرتبطة بالأوساخ، وهي مجالهم الحيوي، حظيرتهم التي لا يمكنهم الخروج منها أو التفكير خارجها، لأنهم ألفوا هذا النوع من العيش، ويقتاتون عليه، ويودّون لو شاركهم العالم بأسره هذا العفن. فبئس المكان الذي أنتم فيه وساء مرتفقا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية