العدد 1850
الخميس 07 نوفمبر 2013
كيف تصبح وحشاً من دون معلم؟! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 07 نوفمبر 2013

ينحدر رئيس مجلس إدارة صحيفة “نيويورك تايمز” أرثر سلزبيرغر، من أسرة صحافية أميركية عريقة، فهو حفيد ناشر مجلة “تايم” الأميركية أرثر هيز سلزبيرغر، وأحد أحفاد مالك مجلة “تايم” نفسها أدولف أوتشز، وزوج سابق لفنانة وصحافية. وإن كانت البنّوة وحدها لا تعني الكثير لدى المتنافسين الشرسين في صناعة الإعلام الأميركي، فإن أرثر نفسه استطاع أن يتبوّأ المناصب التي مكنته من الوصول إلى ما وصل إليه اليوم، فهو ليس في بلد عربي يتوارث فيها الأبناء صناعة الآباء ومهنهم بل وحتى مناصبهم حتى لو كانوا غير لائقين بها. ليس موضوعنا هو أرثر سلزبيرغر، إنما هي مقولة استوقفتني كثيراً، رددتها بيني وبين نفسي، قلبتها على جميع أوجهها، فلم أجدها إلا تنطبق علينا سواء في وطننا، وكذلك في أوطان ومجتمعات كثيرة، وبطبيعة الحال، تنطبق أيضاً على المجتمع الأميركي الذي أتى منه هذا الرجل، والذي نبعت منه هذه المقولة. إنه يقول “احجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان، أو قدمها إليه مشوهة أو ناقصة أو محشوة بالدعاية والزيف؛ تدمر كل جهاز تفكيره، وتنزل به إلى ما دون مستوى الإنسان”!. هذه المقولة أسوقها هنا هدّية إلى الذين تعجّبوا من حالنا في البحرين حينما تباعد الناس وتنافروا، وصدّوا عن بعضهم البعض وتشاحنوا، وأصابهم الشك في مقتل، وتباغض من تباغض، وتآمر من تآمر، إذ ان بعضهم ممن عاد إلى رشده اليوم، ولم يكابر على أخطائه وخطاياه كما تفعل الكثرة الكثيرة من الناس لأغراض مختلفة، إما للحفاظ على كبريائهم، أو لمواصلة الطريق الذي انتهجوه لأنهم يرون المكاسب الشخصية والنفعية تلوح في نهايته، ولم يدركوا بعد أنهم إلى السراب أقرب منهم إلى الغنائم؛ هذا البعض يقف اليوم ذاهلاً مما أسلف وأسرف، متعجباً كيف وصل بنا الحال إلى ما صرنا عليه. والإجابة البسيطة والصريحة التي لا تحتاج إلى فكّ عقدها، أو إيجاد “المجهول” في المعادلة الرياضية، هي أننا جميعاً في غمرة ما كنا فيه لم تنفعنا شهاداتنا العلمية، ولا دروسنا الدينية، ولا مبادئنا التي كانت تدَسُّ في آذاننا ليل نهار، ولا ما نترنم به من قصص تراثية وأُثرية عن كيفية التعامل مع المختلف، بعضها أخذناها من السلف الصالح عبر القرون المتطاولة، بعضها نستقيها من قصص آباء رأيناهم وهم يتعاملون مع “الآخر”، ولكننا في ساعة الشدة، وموضع الاختبار، لم نجد أنفسنا إلا وقد أضعنا البوصلة، وادلهم الخطب بنا، ولم نقو على الإمساك بالدفة في الوقت المناسب والظرف المناسب وسفينتنا كانت تتهادى نحو الصخور. نعم، لقد تم حجب المعلومات الصحيحة عمداً، وتم تقديم القصص المشوهة قصداً، وتم حشوها بالدعايات والزيف والأساطير والمبالغات، مشفوعة بالتفسيرات، مغلفة بما مرت به بعض المجتمعات من تجارب صّوِّرت أنها مشابهة، وأنها ستقع هنا لا محالة، فجنينا أناساً – يا للحسرة والندامة – وقد تصرفوا بما لا يمكن للإنسان أن يتصرفه، فلقد انحطّوا بمعنى الإنسانية أيّما انحطاط، وأساءوا لهذه القيمة التي لا يستحقها من وقف مستوياً على قدمين فقط، إن لم يكن له قلب سليم، وفكر قويم.
إنها الفكرة نفسها التي صعقني بها أحد الصحافيين مرة حينما كان الحديث يدور عن تغطيات مجلس النواب وكيف ان عناوين الصحف تأتي متناقضة في اليوم التالي، إذ قال “إننا لا نكذب، لا نقول إلا الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة... ولكن ليس كل الحقيقة”، بما يعني أن كل صحيفة تأتي بما يناسبها، تقتطع وتقتلع وترمي وتوصل، فتصنع أيضاً قصصاً “ملوّنة”، فهي أيضاً تحجب المعلومات الصحيحة عن قرائها، هي أيضاً تشوّه القصة وتقدمها ناقصة، وتنفث عليها روائح الزيف، فماذا تنتظر؟.
ليست وحدها الصحافة من قام بهذا الدور، ولكن كل الجهات الإعلامية الرسمية والأهلية، تشاركت في أدوار مشابهة لكي تعزز تواجدها في حمّى السباق من أجل الانتصار للذات، إذ عصب الإعلام عينيه بإحكام وراح يجري بكل قوته على حافة الجبل فتدحرجت تحت قدميه ما لا يحصى من الصخور التي هبطت على رأس المجتمع، وكم ستحتمل هذه الرأس؟!. وكما أسلفت، فإن الأمر لا يتعلق بمجتمع بعينه، بل حتى المجتمع الأميركي الذي يقود اقتصاده وعساكره وإعلامه وأيقوناته وبرامجه وأفلامه العالم، والذي يُفترض فيه نضجاً ووعياً تأصلا على مدى السنين، رأينا كيف تعامل مع العرب والمسلمين بعد 11/9، إن على المستوى الحكومي وإن على المستوى الفردي، وذلك قبل أن يهدأ غبار انهيار برجي التجارة، ويعود إلى الناس بعض رشدهم المفقود، والذي اختل، وفقدوا إيمانهم بالتسامح الذي ظلوا يروّجونه على مدى العقود الماضية عن أنفسهم. وبين البحرين وأميركا، هناك الكثير من المجتمعات التي تعرضت للخديعة عن نفسها، وستتعرض لها ذات يوم، لأنها واحدة من المراوغات الدنيئة التي لا تني تتكرر وبنجاح في الكشف عن كنه الحيوانية الرابضة في داخل الإنسان، وليست أية حيوانية، بل هي الغريزة الساعية للفتك والإضرار، والتلذذ بمحق الآخرين، ومتى ما أجهزت هذه الغريزة على أعداء صاحبها وكانت طاقتها لا تزال متّقدة، انثنت على من حولها في صراع أكثر مرارة وقسوة، بما يشبه تصفية حسابات. كان كل الأمل معلقاً على ما نحن فيه، وهو عصر المعلومات والاتصالات، حيث كان من المعتقد أن الإنسان بات محصنا ضد الخديعة، وأنه قادر على استنباط معلوماته الدقيقة والصحيحة من هذا الفضاء الواسع والمشحون بالتحليلات والمعلومات فلا يمكن التلاعب بعقله وعواطفه بهذا الشكل المقزز. إلا أن ما يتبدى من خلال معايشة الأحداث المتوالية هو أن وحوشنا قريبة جداً منا، قيودها متراخية، وقضبانها واهية، فهي قادرة على التحرر منها في لحظات القنوط، لتفرّ من سجنها وتفلت من عقالها.. والويل لنا منها إذ تتلبسنا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .