العدد 1840
الإثنين 28 أكتوبر 2013
“مسّاك الله بالخير أبو أحمد”! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 28 أكتوبر 2013

عُرف عن أحد الناشطين أنه إذا اتصل بأي شخص هاتفياً، أن يقول في بداية المحادثة “مسّاك (أو صبّحك) الله بالخير أبو أحمد”. ثم يبدأ المحادثة. فإذا سأله من هو على الطرف الثاني من الهاتف “من هو أبو أحمد هذا؟”، أجابه الناشط “إنه الشخص الذي يتنصت على محادثتنا الهاتفية.. فأبدأ أولاً بإلقاء التحية عليه قبل المضي في الحديث”!.
وهذه الطرفة كانت ستدعو إلى رسم ابتسامة على الشفاه، لولا أن الواقع اليوم يسير في غير هذا الاتجاه، لأن أبا أحمد لم يعد مقتصراً على الدول العربية المتهمة بالبوليسية، بل انتقل الأمر إلى الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي باتت فضائحها تتفجر وتتكشف تباعاً في شأن تجسسها على أصدقائها قبل أعدائها، وبين الأصدقاء والأعداء هناك أيضاً الدول المحايدة.. لنقل في خلاصة عامة: إنها تتجسس على العالم بأجمعه.
لقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، مناسبة مهمة بالنسبة للولايات المتحدة لتقول ما كانت تخجل أن تقوله وإن كانت تمارسه، إذ إنها أعلنت لشعبها أنها ستعمد إلى اختراق الخصوصيات الهاتفية والحاسوبية وغيرها من الخصوصيات لما لذلك من أهمية كبرى في الحفاظ على الأمن القومي، وحتى لا تتعرض البلاد والعباد إلى حادث إرهابي كالذي حدث في ذلك اليوم المشؤوم. وعلى الرغم من هذه الصفاقة العالية في مخاطبة الجمهور الأميركي استغلالاً للهلع الذي كان يعيش فيه، واعتقاداً من الإدارة الأميركية (البوشية) في ذلك اليوم بأنها أخيراً ستتخلص من ممارسة رذيلة التنصت في الخفاء والسر، إلى قوننة هذا الفعل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب؛ إلا أن سرعان ما نفضوا عنهم غشاوة الرعب التي كانت الإدارة الأميركية تود أن تبعيهم إياها، ورفضوا أي تقييد لحرياتهم، وأي انتهاك لخصوصياتهم بوصفها من الأمور الثابتة لديهم بحكم القانون والدستور والتربية أو ما يسمى بالقيم الأميركية. وكانت الأجهزة الأمنية قد قررت أن تضع مصافي ذكية على التدفق الإلكتروني العام في البلاد للهواتف وجميع أشكال الاتصال الأخرى يقوم بالتقاط بعض المفردات ذات المعاني الخاصة بالنسبة للمحللين الأمنيين، ويتتبعها، وهي كلمات مفتاحية تخص الإرهاب والقاعدة وابن لادن وتفجير وغيرها من المفردات التي قد يُشم منها أن الأطراف التي تتبادلها بكثافة قد تدبر لعمل إرهابي. ويكفي أن يكون الطرف أو الأطراف من العرب أو المسلمين ليكونوا تحت مراقبة أشد من تلك التي تقع على غيرهم.
في الرابع من أكتوبر من العام 2006، أطلق الأسترالي جوليان أسانج موقعه الشهير “ويكيليكس” الذي احتوى في بادئ الأمر ما مجموعه 1.2 مليون وثيقة مسرّبة استلّت من أجهزة المخابرات، فكانت أكبر عملية تجسس على الجاسوس، وقد أوقع تسريب هذه الوثائق على نطاق كبير في العام 2011، الولايات المتحدة في حرج كبير جداً، فقد كشفت الوثائق عن حالات كثيرة من الخروقات في قانون الحرب، ومعاهدات دولية وقعت عليها الولايات المتحدة نفسها، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان الذي يمكن أن تشن الدولة العظمى حرباً في شأنه إن وافق ذلك مصالحها، ناهيك عن آراء أناس معتّقين في الإدارة الأميركية في شخصيات عالمية متعددة، من كل الاتجاهات، ووجهة نظر واشنطن غير المعلنة في الحكومات والعاملين فيها.
وكان من المأمول أن تعي الولايات المتحدة الدرس الذي ما أفاقت منه إلى الآن، ولكن الدول كالأفراد، بعضهم له جلود سميكة، حياؤه قليل أو ربما منعدم، فلا يمكن أن تقول إنه قد تعلم الدرس وإن عليه الآن مراجعة طريقة العمل من جديد، فما هي إلا سنوات قليلة جداً حتى تسرب أمر التجسس الواسع النطاق على الدول الواحدة بعد الأخرى، البرازيل وفرنسا والاتحاد الأوروبي، وإذا كان هذا حال الأصدقاء، فمن باب أولى تكون أجهزة التجسس والتنصت قد طالت الأعداء والألدّاء وغيرهم، وانه قد جرى التقاط وتسجيل عشرات الملايين من المكالمات المهمة والرسائل البريدية والتطبيقات الهاتفية بما يغري لأن يعود الناس إلى ما قبل عصر العجلة والنار، وأن يلتقوا ببعضهم ويهمس بعضهم في آذان بعض، ولعل وعسى.
هناك قراءة تقول إن الولايات المتحدة بانحدارها الأخلاقي هذا، تشغل كل طاقاتها من أجل حفر قبرها بيدها، في ظل عدم قدرتها على الإيفاء بما يعنيه مصطلح “الدولة العظمى” أو “القطب الأوحد”، وهذا ما قد يسرّع من نقمة المجتمع الدولي ضدها بتجاوزها اللامقبول في العمل السياسي والدبلوماسي، ويسّرع – من جانب آخر – بروز رؤوس الأقطاب الجديدة كالصين في القمة، والهند وألمانيا وجنوب إفريقيا والبرازيل وغيرها من الدول التي هي آخذة في التسارع نحو القمة. وإذ لا يقول التاريخ غير هذا، وإذ لا يمكن لأية دولة أو أمة أن تستمر إلى الأبد مهما نسيت هذه الحقيقة، فإن مسألة بقاء الولايات المتحدة في مكانها مجرد لعب على الزمن بإطالته أو اختصاره.. ليس أكثر.
ولكن قراءة أخرى مقابلة لا ترى في الأمر إلا مجرد جعجعة وعتب وملامة، وتعود الأمور إلى سابق عهدها تبعاً للمصالح.
من المزعج أن تشك أن أحداً يعيش معك في غرفتك ولكنك لا تراه. أو يعيش معك في حاسوبك، في أسلاكه ومجساته، فلا يمكنك حتى البوح له وحده بما يجول في خاطرك حتى لا يقع على ما لا تود أن يراه أحد، بل وربما يصل الأمر لأن تكتشف ذات يوم أنك لا تستطيع البوح لنفسك عن هواجسك إذ قد يجري رصد المسافة الفاصلة بينك وبينك. فنعرف أناساً هجروا الحديث والبوح العلني في تويتر وفيس بوك والعديد من الوسائل الأخرى لا لأنهم جبناء يخشون الحنق والعسف من أجهزة الدمار الشامل، ولكنهم قد بلغوا درجة من الغثيان من “أبي أحمد” وهو يحدق في حروفهم في كل حين!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .