العدد 1988
الثلاثاء 25 مارس 2014
السياسة الأميركية والبناء على أنقاض الآخرين أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
الثلاثاء 25 مارس 2014

منذ نشأة الدولة الأميركية قبل أكثر من مئتي عام، حيث قامت منذ تلك الفترة على إبادة الهنود الحمر، تلك الحقيقة التاريخية التي لا غبار عليها، وهي تسعى إلى السيطرة وتطويع كل طرف ضعيف في المعادلة الدولية؛ وذلك ابتغاء السيطرة على ثرواته ومقدراته والتحكم بمصير شعبه، مستخدمة في ذلك أبشع الوسائل المتمثلة بلبس الحق بالباطل، فهي تدخل وكأنما تريد نشر الحرية والديمقراطية في مجتمع ما من خلال التدخل في خصوصياته، لتعمل من خلال تفتيت الأمم وتقسيمها على إعادة بنائها من جديد بما يتوافق مع تحقيق مزيد من مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
إن العملاق الأميركي في ظل نشأة كيانات عظمى كروسيا والصين لا يمكن إلا أن يناوش هذه الكيانات، أما إزاء الدول المغلوب على أمرها فإنه سيظل ينخر كالسوسة في جسدها النحيل حتى يستولي على خيراتها مادامت مشتتة ومبعثرة، لتواقع بينها وتتجر على دمائها.
وعليه، يبدو أن السياسة الأميركية - خصوصا إزاء الوضع في الشرق الأوسط – قد بدت جانحة نحو تحقيق مزيد من التقسيم والتفتيت لإعادة تخطيط المنطقة العربية وفق معطيات مشروع الشرق الأوسط الكبير، ولعل آخر ما عبر عن هذه السياسات الأميركية البشعة ما نشر عن أخطر دراسة لـ “البنتاجون” لتفتيت الجيوش والدول العربية قبل 2015م، وذلك من خلال جر إيران لمواجهة السعودية بحرب تنطلق من اليمن والبحرين والشرقية، حيث تضمنت هذه الدراسة تشخيصاً لأوضاع الدول العربية بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي.
وبعيداً عما أشارت إليه هذه الدراسة من تفاصيل، فإنه تمت الإشارة فيها الى أن المخطط الذي تضمنته سيعتمد في تمويله على الاستنزافات التي ستدفع من بعض الدول ضد بعضها البعض، بالإضافة إلى الأرصدة المجمدة لبعض الدول.
وحقيقة الأمر، إن هذه الدراسة ليست هي الأولى، ولن تكون الأخيرة التي تتحدث عن مخططات أميركية للسيطرة على مقدرات الشعوب العربية؛ ذلك أن السياسة الأميركية تصنف ضمن نطاقين لا ثالث لهما، فأما النطاق الأول فيتمثل في موقفها إذا ما كان الطرف المقابل من الدول العظمى والمتماسكة، فلا يكون للولايات المتحدة في هذه الحالة إلا أن تتحالف معها أو تناوشها بين فترة وأخرى، أما النطاق الثاني فيتمثل فيما إذا كان الطرف المقابل متضعضعاً وغير متماسك فإنها تظل تنخر في جسده النحيل حتى تراه منهاراً أمامها لتنقض عليه وتطوع مقدراته بشكل أكبر لخدمة مصالحها، ولعل أبرز مثال على ذلك ما أسهمت ومازالت تسهم من خلاله الولايات المتحدة من خلال سفيرها في البحرين بدعم المعارضة المتمثلة بجمعية الوفاق وأخواتها لإثارة الفوضى في المملكة وإعادة رسم الخريطة السياسية لتحقيق مصالحها في ذلك، وهي لا تزال تجتمع في الخفاء مع أعضائها للتخطيط ضد البحرين، وتلعب في ذات الوقت دور الداعم للإصلاح النابذ للإرهاب.
إن مختلف المعطيات آنفة الذكر تبين حقيقة واحدة تتمثل بأن الولايات المتحدة تبنت ومازالت تتبنى سياسة القيام على أنقاض الآخرين، وإن كان ذلك على حساب أي طرف آخر؛ ذلك أن المهم في قناعتها هو أن تبقى هي الطرف الأقوى في معادلة القوى العالمية، وأن السبيل الذي تسلكه تحقيقاً لذلك يتمثل بالقيام لذاتها على أنقاض الآخرين بعد تدميرهم وكسر شوكتهم وإثارة الفوضى الخلاقة في مجتمعاتهم والوقيعة بينهم بين الفينة والأخرى للمتاجرة بدمائهم من خلال بيعهم الأسلحة والعتاد المتكدس في مخازن البنتاغون، فإلى متى ستظل هذه السياسة الأميركية على هذه الصورة التي لا ترى رفعة لها إلا على هزالة وزوال الآخرين؟ وهل ستظل الولايات المتحدة مستمرة على هذه السياسة التي باتت تهشم في قوتها الآخذة في التضعضع شيئاً فشيئاً أمام بروز قوى عظمى تخالف استراتيجيتها العالمية؟
زبدة القول
لا يمكن بأي حال من الأحوال بقاء الدول العربية وعلى وجه التحديد دول مجلس التعاون أمام هذه المهاترات الأميركية التي تهدد وجودها في مقتل من خلال ما تمثله سياستها، وعليه ينبغي اتخاذ موقف حازم تضع الدول العربية من خلاله النقط على الحروف أمام هذه المراهقة الأميركية ذات الرعونة المفرطة في الاستهتار وعدم احترام استقرار الشعوب وتقرير مصيرها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .