يبدو أن المهاترات الأميركية في عهد الرئيس أوباما لم ولن تنتهي أبداً، ولعل في ذلك دنو زوال هذه الدولة التي قادت العالم في الفترة الأخيرة وقد اقترب أفول نورها إلى الدمار وسباق التسلح، وها هي تمر بفضيحة من نوع آخر... إنها فضيحة انعكس من خلالها مسلسل التجسس الأميركي على الشعوب، بل بلغت بها الوقاحة أن أكد المسؤولون في البيت الأبيض أن ذلك يعد أمراً عادياً تمارسه مختلف الدول، ولكن ليس بالصورة الوقحة التي تمارسها سلطات الأمن القومي الأميركي يا سيادة الرئيس.
لقد كشفت الوثائق المسربة أن وكالة الأمن القومي الأميركية قد تجسست على مئة وخمسة وعشرين مليار اتصال هاتفي ورسائل خلال شهر يناير من العام الجاري كانت غالبيتها على دول شرق أوسطية، بل وطال هذا التجسس بعض الزعماء في أوروبا ودول أميركا اللاتينية، مما تسبب في فضيحة عارمة للسياسة الخارجية للرئيس أوباما، وهو ما أدى إلى تظاهر آلاف المحتجين في واشنطن مطالبين بإقرار قانون الإصلاح لبرامج المراقبة التي كلفت بموجبها وكالة الأمن القومي بانتهاك الحياة الخاصة، وهم يرفعون لافتات كتب عليها: “أوقفوا التجسس على الجماهير”.
وتأتي هذه التظاهرة وسط فضيحة نجمت عن تسريب مستشار سابق في الاستخبارات الأميركية – وهو إدوارد سنودن - لمعلومات تتحدث عن تنصت على اتصالات داخل الولايات المتحدة وخارجها، وذلك من خلال برامج للمراقبة الواسعة، الأمر الذي أثار القلق في الولايات المتحدة بشأن دور وكالة يعتقد البعض أنها أصبحت خارج السيطرة.
هذا هو ملخص جانب من مسلسل التخبطات الأوبامية فيما يتعلق بفضيحة التجسس الأخيرة التي يبدو أنها لن تنتهي إلا بانتهاء ولاية هذا الحاكم الذي كثرت التخبطات في عهده خصوصا فيما مثلته السياسة الخارجية الأميركية، حيث مثلت فضيحة التجسس الأخيرة مصيبة عظمى في سلسلة التخبطات الأوبامية في السياسة الخارجية الأميركية، ولعل ما انعكس من خلال ذلك فيما مثلته السياسة الخارجية الأميركية تجاه قضايا الشرق الاوسط يمثل قمة هذه التخبطات، سواء ما تمثل من خلاله الموقف الأميركي الأخير تجاه الأزمة في سوريا بخصوص نزع الأسلحة الكيميائية، والذي أعقبه تقارب إيراني وإنهاء للنزاعات المصطنعة ما يقرر هذه الحقيقة، حيث جاءت السياسة الخارجية السعودية الرصينة والمتماسكة لترد على هذه المهاترات الأميركية من خلال رفض عضوية مجلس الأمن، والدعوة إلى تقليص العلاقات الأميركية السعودية كردة فعل على التخبطات الأوبامية، والتي تمثل رفضاً لما يجري تحت الطاولة ويعلمه الجميع بين أميركا وحلفائها في الخفاء، حيث ظهر ذلك فيما انعكس من خلاله على السياسة الخارجية الأميركية برعونة ودون قراءة جيدة لتطورات المشهد السياسي في المجتمع الدولي، وهو ما أصاب السياسة الخارجية في مقتل، وأدى إلى تضارب الكثير من معطياتها ومصداقيتها.
وحقيقة الأمر، إن هذه التخبطات ليست وليدة الساعة، وليست انعكاساً لأحداث جرت بالأمس أو قراءة لأحداث ستجري في الغد القريب، بل هي تعبر عن سياسات ترتبط بالظلم والإجحاف الذي ألحقته السياسة الأميركية في مقدرات الشعوب منذ أن كانت قطباً، وإلى أن أصبحت القطب الأقوى بين عدة أقطاب تتنازع السيادة على المجتمع الدولي، والذي مازال يحافظ على وجوده فضلاً عن ماء وجهه في ظل تغير قواعد اللعبة في الساحة الدولية، حيث أصبح الوجود والنفوذ الأميركي بسبب التخبطات الأوبامية وجوداً ونفوذاً ضعيفاً يبرز في المستقبل القريب تقويضاً له ودوراً ضعيفاً في صناعة التغيير في صورة المجتمع الدولي القادم، ولا شك أن ذلك يرجع إلى الظلم والجور الذي تستوعبه هذه السياسة الأميركية في معالجتها لمختلف القضايا الدولية، لاسيما في ظل عدم مصداقيتها وإنصافها وموضوعيتها في تبنيها لمختلف قضايا المجتمع الدولي بمصداقية وإنصاف، مع تبنيها للإيثار الكامل لمصالحها على حساب المصلحة الكلية للمجتمع الدولي بسبب ما تفعّل من خلاله حق النقض الفيتو في مجلس الأمن.
زبدة القول
إن فضيحة التجسس الأميركي بالصورة التي ظهرت عليها تمثل وصمة عار في السياسة الخارجية الأميركية، وهي تمثل نقطة سوداء في مسلسل التخبطات الأوبامية، وما لم تغير الولايات المتحدة من توجهها في ذلك، فإن تخبطها سيقودها إلى مزيد من التصادم والعزلة عن المجتمع الدولي.