العدد 2103
الجمعة 18 يوليو 2014
الحركة الشعوبية من ماضيها إلى حاضرها (9) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 18 يوليو 2014

ورثت إيران الحديثة تراثا متراكما من الإرث الشعوبي الصفوي، ورغم ابتعاد نظام الشاه المدني العلماني عن مذهبية الصفويين الضيقة متجها نحو الثقافة الغربية، لم يسلم من نزعة كراهية العرب التي بذرتها الشعوبية فيهم، ورغم تطور النظام الدولي والاتجاه نحو تصفية الاستعمار وتوق الشعوب وتطلعها إلى النظم الديمقراطية، وإقرار وثيقة حقوق الإنسان، وميل الشرق نحو تشكيل كتلة الحياد الإيجابي آنذاك، لم يرق للإيرانيين التخلي عن سياسة الكراهية والحقد الدفين لجيرانهم العرب والرغبة في التخطيط للتوسع والهيمنة على حسابهم، لا في زمن الشاه، ولا على عهد الثورة الإسلامية، وأنوه في هذا الشأن بمقالات الدكتور عماد الدين الجبوري حول شعوبية إيران تجاه العرب والتشيع على الإنترنت، فلم يترك لمن بعده شيئا أهم مما استوفاه.
عرفت الأحواز بأنها عربية أرضا ومياها وشعبا منذ أن فتحها أبوموسى الأشعري 637م إلى 1925، حين اعتقل رضا شاه الشيخ خزعل الكعبي بخدعة بريطانية حيث دعي لمفاوضات على “طراد”، واحتل الأحواز وعاصمتها المحمرة، وغير اسمها إلى خرم شهر “البلد الأخضر” بفضل نهر الكارون العربي الذي يروي أراضيها الخصبة، وفيها آبار النفط “الذهب الأسود” قال عنها خاتمي: إيران تحيا بخوزستان، لغناها بالموارد الطبيعية ومازال ثلاثة ملايين من أبناء القبائل العربية يعتزون بعربيتهم ويناضلون لتحريرها، فلم ينصفهم الشاه ولا الثورة الإسلامية كونهم عربا، ولم يشفع لهم مذهبهم شيعة جعفرية، ومازالت مناطقهم تعاني الإهمال والتهميش، ومن يزر سائر الأحياء الفارسية والأحياء العربية يدرك سياسة التمييز العنصري التي تمارسها إيران ضد العرب وأنها لا تختلف عن سياسة إسرائيل العنصرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة..
عزل رضا شاه باتفاق دولي غربي بعد أن مال إلى هتلر في الحرب العالمية، وخلفه ابنه الشاه محمد، ومن تدبير الفرس الماكر أراد ضمان حليف يحكم أكبر دولة عربية كمصر، وبغية تحييدها عن سائر الدول العربية فيما سيجد من مشكلات يضمرها للعرب تزوج بالأميرة فوزية أخت الملك فاروق، وبعد أن رزق منها بابنة طلقها بعد سنوات بنصيحة مستشاريه خوفا من أن يرثه ابن يميل إلى أخواله باعتبارهم من العرب، فينقلب السحر على الساحر.
ولم يختلف محمد رضا شاه عن أبيه، في احتلال الجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبوموسى التابعة لإمارة رأس الخيمة على ساحل الخليج، رغم بعدها عن الساحل الإيراني بأكثر من تسعين كيلومترا عام 1971 وأجلى ألف مواطن من سكانها وحولها إلى قاعدة بحرية وجوية ومربض للمدفعية يهدد بها الإمارات العربية والخليج بأسره، ولتسيطر على ممرات الملاحة، وتبقى منطقة رخوة في خاصرة العرب، وترفض إيران إعادتها خلافا للمواثيق الدولية وترفض التحكيم الدولي، ولا تعترف بعروبة الخليج وتطلق عليه الخليج الفارسي مع أن الأراضي على ضفتيه عربية.
لم يذكر الشاه محمد رضا فضل العراقيين يوم فر من إيران اثر اضطرابات سياسية بعد الحرب العالمية فتدهور الوضع السياسي تدهورا لم تعرفه إيران اثر قيادة رئيس الوزراء مصدق انقلابا على الشاه وأرغمه على الفرار من إيران عام 1953، فالتجأ الشاه إلى بغداد بطائرته الخاصة بصحبة زوجته الملكة ثريا ومرافقه واستقبل بحفاوة رغم استنكار حكومة مصدق، زار العتبات المقدسة في الكاظمية وكربلاء والنجف ومهدت له بغداد العبور إلى إيطاليا بعد توقيع قرار بعزل مصدق، ليعود ثانية إلى إيران بانقلاب مضاد لرئيس الوزراء بمساعدة المخابرات الأميركية والبريطانية وأقال مصدّق من منصبه واستعاد عرش إيران.. نسي الشاه ذلك للعراقيين وبقيت إيران على مر التاريخ الحديث المحرض الأول للفتن القومية في العراق لإضعافه وإعاقة ميسرته، كان الشاه يمد حركة التمرد الكردية ويمولها بالسلاح والعتاد والأموال، لإضعاف قدرات العراق على حدوده، باعتراف الشاه نفسه الذي فاوض نائب الرئيس العراقي صدام حسين عام 1975 على توقف الدعم للأكراد مقابل منحه امتيازات غير مسبوقة في شط العرب وبعد عقد اتفاقية الجزائر، سلم الأكراد أسلحتهم للحكومة العراقية وتوقف التمرد لتوقف الدعم الإيراني عنهم ليشهد العراق نهضة علمية وصناعية وعمرانية انفجارية لم تتوقف إلا بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979 ليبدأ مسلسل جديد من إثارة الكراهية وتصدير الثورة، وتندلع الحرب العراقية الإيرانية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية