اتبع الشعوبيون وسائل خبيثة عديدة تفننوا بإخراجها حاولوا تطعيم حركتهم بأجناس من أمم وبقيا شعوب أخرى غير العربية كالهنود والبربر والأحباش والأقباط لتوسيع محيط حركتهم، وجعلها حركة أممية، ولم ينجحوا بذلك إلى الحد الذي وضعوه في تصورهم، وظل الفرس المجوس هم المكون الأبرز الغالب في الحركة، ولتحريض غيرهم من أبناء الأمم الأخرى التي لها حضارات قديمة سبقت ظهور الإسلام على العرب، وإقناعهم أنهم أحق من العرب بقيادة العالم، وارتأوا الاستعانة بتمجيد تاريخ الأمم القديمة التي سبقت العرب بقرون عديدة، سيحرج العرب الذين لا يمتد تاريخهم إلا إلى قرن ونصف قبل الإسلام، فمجدوا حضارة الفراعنة وحضارات الفينيقيين والهنود والصنيين، ليثبتوا أن هذه الأمم أكثر عراقة من العرب وأن ثراءهم العقائدي والثقافي والسياسي بظل الإسلام ليس جديدا، كل ذلك ليفتوا بعضد من تمسك بالفكر العربي الإسلامي الذي لا يفرق بين البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم، ويدعو إلى التعاون بين جميع المسلمين بغض النظر عن أجناسهم وشعوبهم. ولم يوفَّقوا ولم يستمع لهم إلا قلة نادرة لم يبق منه اليوم غير يهود الفرس الصفويون، فهم وحدهم ظلوا يهرولون في مضمار الحقد والكراهية، يفترون على الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وآل بيته بوضع الأساطير والقصص والروايات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ولم يكتف الشعوبيون بالانتقاص من العرب وتمجيد ديانتهم المجوسية، بل صاروا يبالغون في الهجوم على الإسلام ونبيه الكريم، فذهبوا إلى القول: إن أنبياء العرب ثلاثة هود وصالح ومحمد، بينما أنبياؤهم كثر وغاب عنهم أن كثرة الأنبياء تعني كثرة كفرهم وضلالهم، فاحتاجوا العديد من الأنبياء والرسل لإصلاح شأنهم، وطعنوا بنسب إسماعيل جد الرسول الكريم الأعلى، وإنه ابن هاجر الجارية، أما إسحق جدهم، فابن سارة الحرة، وهكذا لم يتركوا وسيلة تعيب المسلمين إلا وطرقوها، متجاهلين أن الإسلام لا ينظر إلى أجناس الناس وأصولهم أو ثرائهم أو ألوانهم، وإنما ينظر وإلى عمق الإيمان وما يقدمه الناس من العمل الصالح.
وارتبطت الحركة الشعوبية مع التقدم الزمني بحركة الزندقة. فكلاهما يُظهران الإيمان ويخفيان الإلحاد أو ويحرفون الأحاديث ويختلقونها اختلاقا ولاسيما أن الزندقة هي الأخرى حركة فارسية معناها متتبع الزند أي الشروح القديمة للأفستا، وهو كتاب زرادشت مؤسس الديانة الزرادشتية، وأصل كلمة زنديق فارسية “زنده كَرْد” ويروي المؤرخون أن هذه العلاقة ابتدأت بترجمة عبدالله بن المقفع كتاب “كليلة ودمنة” ونقله إلى العربية ويذهب فيه أن للفرس كتبا تحمل الحكمة والفكر والأدب ما يضاهي حكم القرآن الكريم وآياته، ويستدلون على اعتناقه الزندقة بمتابعته ترجمة كتب أخرى في الزندقة من الفارسية إلى العربية حتى قيل: ما وجد كتاب للزندقة إلا وأصله ابن المقفع وبها يعللون حرصه على نشر الآداب الفارسية القديمة ويرجعون ذلك إلى الهدف الأساسي، وهو إحياء العلوم الفارسية القديمة وآدابها، ولم يقتصر الأمر على ابن المقفع، ولكنه شمل العديد من الشعراء والأدباء من أمثال أبان اللاحقي، وبشار بن برد، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، وابن منذر، وصالح بن عبدالقدوس، حماد الراوية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان، ويحيى ابن مطيع، ومطيع بن إياس. ومن شعر بشار في ذم العرب والتهجم عليهم: إبليس أفضل من أبيكم ادم، فتبصروا يا معشر الفجار /النار عنصره وآدم طينة، والطين لا يسمو على النار/
هكذا علا صوت الشعوبية في عهد الدولة العباسية وتفاخر الفرس على العرب وسبوهم وعيروهم بالفقر والجدب وشظف العيش وذكروهم بأنهم كانوا عملاء كسرى أو حراسا على قوافل، واختلقوا أحاديثا وقصصا تصب في مصلحة تطلعاتهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية نترفع عن ذكرها؛ كي لا تدخل في باب إشاعة الكفر والفاحشة. وتسببت الشعوبية في نشوب حركات ردة انفصالية مسلحة كثيرة سنتطرق لذكر بعضها، خلفت لنا المصائب والبلايا التي حاقت بالعرب والمسلمين. وظلت الشعوبية المصدر الأول لكل البلايا التي حاقت بالإسلام والعرب قديما، ومصدرا لنشوء كثير من الأفكار، وفي مقدمتها الحركة الصفوية التي استفادت من كل ما جاء في تراث الشعوبية ومزجته بالدين كمرحلة لإخراج المسلمين من حالة التوحيد إلى حالة الكفر من خلال ممارسة الطقوس الأسطورية كما سنرى، فللموضع بقية.