بدأت الشعوبية في العصر العباسي بلباس جديد ومعان جريئة غير مسبوقة بقيادة يهود فارس وقد خلعوا ثوب الدعوة إلى التسوية وجنحوا إلى التعصب والتطرف باعتبار نسبهم أسمى من العرب الذين عرفوا قبل الإسلام بقبائل متناحرة، في الوقت الذي كان فيه الفرس شعب وأمة، وليس للقبائل ما ترتقي به إلى مستوى الشعوب على حد زعمهم، يروي ابن قتيبة: “أن رجلا من العجم احتج بقوله تعالى “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، وقال: “الشعوب من العجم والقبائل من العرب والمقدم أفضل من المؤخر”. أصبحت فكرة التسوية لديهم مرحلة وسلما لما هو أدهى من فرط الحسد والحقد وخبث التدبير، جردوا العرب من كل فضيلة، وألحقوا بهم كل رذيلة ومنقصة، فكابروا واستكبروا بتطاولهم على العرب للنيل منهم جهارا نهارا، جاء القاموس المحيط “الشعوبي بالضم محتقر أمر العرب” وقال القرطبي هم حركة: “تبغض العرب وتفضل العجم” ووصفهم الزمخشري في أساس البلاغة: “الذين يصغرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلاً على غيرهم”.
لقد أسهم زحف السيوف الفارسية بزعامة أبي مسلم الخراساني من الشرق إلى الغرب تحت الرايات السود والإطاحة بالخلافة الأموية وإقامة الدولة العباسية في بروز الشعوبية حركة استقطبت أتباعا وروادا مدعومين سياسيا وعسكريا بالنفوذ والسطوة.
وعلى الرغم من مقتل الخراساني على يد الخليفة المنصور ظلت فروع الشعوبية تتمدد بين المسلمين وبخاصة بين الفرس، فهم أول قوم دخلوا الإسلام من غير العرب بأعداد كبيرة، وأكثر الأجناس عددا بين الموالي قياسا بالهنود والأسبان مولدي الأندلس المستعربين. ويرى الفرس الشعوبيون أنهم امة ودولة سبق وجودها ظهور العرب، وكانوا أكثر تحضراً منهم قبل الإسلام، وأكثر تمدنا، فعدوا أنفسهم الأحرار السراة وسائر الناس عبيدا، ومما ضاعف تعاظم مصيبتهم أنهم نظروا إلى العرب اقل الأمم خطرا عليهم، فإذا بهم الفاتحون، يكتسحون عروشهم ويقوضون دولتهم ويسفهون مجوسيتهم ويدخلونهم في الإسلام. فتضخم إحساسهم بالحقد والشعور بالكراهية ونزعة التعصب.
فتحت الحضارة العربية الإسلامية بعظمتها وإنسانيتها للفرس مجال المشاركة فتفوقت منهم أجيال في مجالات اللغة والأدب والدين والفكر، مما ضمن لهم حقوقا ومكانة في الميادين السياسية والفكرية والعسكرية، يُعترف لهم فيها بالفضل، وقد اتخذ الخلفاء العديد منهم وزراء، وظهر بينهم فقهاء ومفسرون ومؤرخون وأدباء وسفراء. ولم ينس هؤلاء أصولهم وصار الكثير منهم يَعّدُون أنفسهم بحاضرهم وماضيهم أجدر من العرب في كل شيء، وهو المعنى الذي آلت إليه الشعوبية وحملته ضمنا مع الانتقاص من الجنس العربي، والنيل من الدين الإسلامي وشأن الصحابة، وسيلتهم بالتعصب والتطرف المفاخرة بأمجادهم، وسمو حضارتهم، وتصغير شأن العرب والهجوم عليهم، ووصفهم بأخس النعوت كلما سنحت لهم الفرص.
طعن الشعوبيون بكل مفاخر العرب، أنكروا عليهم حضور بديهتهم، وعابوا فصاحة ألسنتهم وبلاغة خطبهم، واستخفوا بشجاعتهم وانتقصوا من أساليبهم في العيش والحرب، ووسموهم بالتخلف في العلم والإدارة والسياسة، ولم يكتفوا بل ألفوا المصنفات في معايبهم ومثالبهم، فألف يونس أبو فروه كتابا في مثالب العرب وعيوب الإسلام، وكتب علان الشعوبي مصنف الميدان في المثالب، واظهر فيه عيوب العرب، وألف أبو عبيدة كتاب أدعياء العرب، وكتاب لصوص العرب، وجاهر يعقوب بن ليث الصفارين من أمراء الشعوبية المتمردين على العباسيين فأرسل إلى الخليفة المعتمد أبياتا تهكم فيها وسخر من العرب قائلا:
أنا ابنُ الأكرمينِ من نَسلِ جَم، وارث عز مُلوكِ العَجمِ/ ومُحي ما باد من مجدهم، وعفا عَليَه طُوالُ القِدَم/ فَقل لِـبنَي هـاشِم أجمعين، تعالوا إلى الخَلع قبل الندَمِ/ فَعُودوا إلى أرضِكُم بالحِجاِز، لأكلِ الضٌبِ ورعي الغِنَمِ، وما زالت آثار هذه الأشعار ومعانيها تؤثر في الفكر الصفوي المعاصر، فهم يتوارثون النزعة الشعوبية مع العصور، فنجد وكالات الأنباء وصحفا كويتية وعربية تنقل عن لاريجاني رئيس مجلس الشورى قوله: “إن سقوط نظام بشار الأسد مقدمة لسقوط الكويت، التي تشكل لإيران عمقا استراتيجيا لا تتنازل عنه، وعلى دول الخليج (الفارسي) ألا تعرقل طموحات إيران الكبرى، وإلا فإن العرب سينحسرون إلى مكة كما كانوا قبل 1500 عام”. مرددا قول شاعر الصفارين أعلاه قبل ما يربوا على عشرة قرون مضت.. دليلا على توراث هذا الحقد.. وللموضوع صلة.