العدد 2005
الجمعة 11 أبريل 2014
الأنبار في العراق.. أزمة أم كارثة؟ (7) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 11 أبريل 2014

استمر تفجر الخلافات الشديدة في فترة حكم المالكي الثانية، وتفاقمت الأزمات بين أطراف العملية السياسية الهزيلة سواء بمجلس الوزراء أو بين كتل مجلس النواب، وبين المالكي والأكراد، وبين المالكي والعرب السنة، وبين المالكي والصدر، وأحيانا بين المالكي ومؤيديه، وصار الوزراء والنواب تارة يجمدون مقاعدهم، وأخرى يعلقون اجتماعاتهم، ويهددون بالاستقالة ثم يتراجعون، وهكذا مدا وجزرا، حتى بدأت التفجيرات من جديد تحصد أرواح العراقيين، وعاش العراق الجمعة الدامية والسبت الأسود والأحد الحزين، والاثنين... وهلم جرا.
رافق ذلك شيوع سرقة المال العام ببلايين الدولارات من شخصيات سياسية والهروب خارج العراق، وزير التجارة ومفتش الصحة وقادة العسكر والناطقين باسم الحكومة وكبار الموظفين، وشملت الظاهرة المصارف التجارية، وتفشت الرشوة بدوائر الدولة ومؤسساتها، وأصبحت عادة مستديمة، ولم تسلم أجهزة قوى الأمن والشرطة بل كانت أكثر الأجهزة فسادا، وتكررت حالات هروب مئات السجناء باقتحام السجون أو حفر الأنفاق والرشوة، وتراشق البرلمانيون بشأنها التهم على مرأى ومسمع الناس، فازداد التذمر والقلق والشعور بالظلم.
وأدى المخبرون السريون دورا إجراميا خطيرا بتلفيق تهم الإرهاب للأبرياء بالكيد الطائفي، وصاروا سيوفا مسلطة على رقاب الأمينين المقتدرين ماليا لابتزازهم، وكثرت المداهمات والاعتقالات بتهم انتقامية ملفقة، وقد أصبحت بضاعة تباع وتشترى للحصول على الرشاوى والإتاوات، وضحاياها الأنباريون والعرب السنة المحسوبون على المعارضة، وشجع جشع قوى الأمن والمحققين الذين صاروا لا يفرجون عن بريء إلا بدفع مبالغ تصل إلى عشرات آلاف الدولارات على التذمر وزيادة الكراهية للنظام، وتزايدت أحكام الإعدام بانتزاع الاعترافات الوهمية الكاذبة تحت سياط التعذيب القاسي ومطرقة القضاء المسيّس وفقا لما ورد بالمادة الرابعة، إرهاب من سهولته إدانة كل من يظهر مقاومة للدولة أو كان من الموالين للنظام السابق، وارتفعت أعداد النساء المعتقلات وتفشى الاعتداء الجنسي عليهن واغتصابهن، وعرضت حالات كثيرة على القنوات الفضائية، وناقشتها الصحافة بإسهاب فأثارت حفيظة ذوي المعتقلات.
وكثر عدد المفصولين من وظائفهم والمحرومين من التقاعد بتفعيل قانون الاجتثاث وسلب الحقوق المدنية من المشمولين به، وصار القانون يطبق بحق العرب السنة دون غيرهم، وتعمقت هوة الإحساس بالقهر والرغبة بالرفض، فاستغلت إيران الفرصة بدس التفجيرات والعنف لتوحي بأن العرب السنة خلفها، فتشتد حملة القمع.. والأنبار كما قلنا بارومتر الرضا والغضب ولاسيما أن جميع المشمولين بالمظالم كانوا من الطيف السني، والفائزين بالمغانم هم الطيف الشيعي المسيطر على مقاليد الأجهزة الأمنية ومفارز الشرطة والقضاء.
كان المالكي يتهم سوريا بتصدير الإرهاب والتفجيرات، وهدد الأسد وتوعده علنا بالشكوى لمجلس الأمن لولا تدخل إيران في اللحظات الأخيرة لوقفه. وبعد تفجر أوضاع سوريا حملت ضغوط إيران الطائفية المالكي على تناسي موقفه من سوريا، وصار لزاما عليه فتح المجال الجوي وسبل التواصل بين إيران وسوريا لنقل الجند والمعدات والمساعدات اللوجستية لدعم النظام الجائر، وأصبح المالكي مساندا للأسد بقدرة قادر، وأجبر بعد فرض أميركا وحلفائها عقوبات اقتصادية على إيران تسخير المصارف العراقية وخزينة الدولة واحتياطيها من العملات الصعبة لخدمة سوريا وإيران وتغطية التحويلات وتدوير الحوالات مصرفيا، وعليه إزاحة وزير المالية وهو من الأنبار والكتلة العراقية المعارضة، فلابد من اصطناع أزمة للخلاص منه كي يتمكن المالكي من التصرف بخزينة العراق بحرية تامة.
وفي هذا الجو المشحون بالتوتر والمظالم والشحن الطائفي، ألقت قوى الأمن القبض على حماية وزير المالية الدكتور رافع العيساوي وعددهم 150 فردا من عشيرته البوعيسى الكبيرة المتنفذة، اتهموا بالإرهاب وحقق معهم بإذلال مهين، فأعاد اعتقالهم إلى الأذهان قضية اعتقال حماية الهاشمي والتحقيق معهم ووفاة اثنين منهم بالتعذيب، وهو أسلوب المالكي بتصفية الحسابات السياسية بمعارك ثأرية للنيل من خصومه السياسيين المعارضين من طيف العرب السنة رافعا قانون الإرهاب بيد ومستند في الثانية إلى قضاء مسيس فاسد بشهادة الأمم المتحدة. وكان العيساوي طبيبا سابقا في الفلوجة أثناء حصار الأميركان لها ويتمتع بشعبية واسعة فخاطب المالكي وسط الجماهير: إذا كنتم حكومة شرعية تعالوا نتفاهم وفق القانون كشركاء، وإن كنتم تتصرفون كعصابات علينا حماية أنفسنا منكم بالطريقة المناسبة. فثارت حمية الناس وخرجوا بتظاهرات حاشدة في الفلوجة احتجاجا على أسلوب المالكي في التعامل مع رموز العرب السنة وتفجرت التظاهرات في كل المحافظات السنية، وللحديث صلة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية