منذ أن وطأ الأميركان بأقدامهم أرض العراق، ومن يوم دخول طلائعهم بغداد واجه العرب السنة واقعا مأساويا كارثيا، إزاء ما كان مطلوبا منهم عمله في ظل الاحتلال، سواء من قوى الاحتلال الغاشم أم من لدن إخوانهم الشيعة الذين يشكلون نصف سكان بغداد، والغالبية العظمى من سكان المحافظات الجنوبية، ومن إخوانهم الأكراد في المحافظات الشمالية وغالبيتهم الساحقة من السنة، لم يكن الواقع واقع أزمة يمكن التفاوض عليها والوصول فيها إلى حل وسط، وهل يتفاوض المخلصون لأمتهم على الوطن؟ أو يتنازلون عن الثوابت: الله، الوطن، الحرية، هذا ما كان مطلوبا منهم، ورفضته غالبيتهم وأولهم أهل الأنبار المحافظة البيضاء التي لم تشملها حالات النهب والسلب والاعتداء أثناء الاحتلال ولا في حالات قبله ولا بعده، وصغيرهم وكبيرهم يؤمن بأن أمتنا واحدة ومصير شعبنا العربي واحد.
الإخوة الشيعة العرب والعجم من أصول إيرانية - نقولها بأسى وحزن وجرح عميق - ساروا خلف السفهاء من أبنائهم الضالين، فالأميركان قبل الاحتلال جندوا كل معاد للنظام السابق ممن لم يتحملوا حياة الحصار في الغذاء والدواء، الذي فرضه أشقاؤنا العرب على العراقيين بضغط من أميركا بعد دخول العراق الكويت خطأ ليعالج بخطأ أكبر، استمر الحصار 14 عاما لم يتضرر منه النظام بل تضرر الشعب، النساء والأطفال والشيوخ المرضى، فهرب من هرب من الشباب إلى دول أوروبا وأميركا وحصل العديد منهم على اللجوء ثم على الجنسية الأجنبية، استقطبهم الغرب وأغدق عليهم الهبات، وأرسلت أميركا الآلاف منهم إلى المجر يتدربون جواسيس ومساعدين لوجستيين لحملة الاحتلال، ودخل كثير منهم العراق عن طريق الشمال ودول الجوار، قبيل الغزو مزودين بهواتف «ثريا»، وقطع معدنية ممغنطة مشعة تهتدي بها طائرات الحلفاء المعتدين، ورافق بعضهم حملة الغزو يمهدون للاحتلال، ومن الطبيعي أن تكافئهم سلطات الاحتلال بالمال والسلطة ووظائف حساسة ردا على جميل ما قدموا من خدمات، أما العملاء فبرروا ولاءهم للأجنبي بالمظلومية والتحرر من قبضة النظام القوية، و»اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين».
كان عيش هؤلاء المنسوبون إلى العراق، وولاؤهم لإيران ودول أجنبية يحملون جنسياتها وأقسموا على الولاء لأميركا ودول غربية كبريطانيا وألمانيا وهولندا وغيرها عيشا متواضعا ومؤهلاتهم محدودة، وعملوا بمهن لا تحتاج إلى مهارات، ووجدوا أنفسهم فجأة بعد الاحتلال بوظائف مرموقة ومرتبات عالية منّ بها الحلفاء عليهم، يتودد لهم الوجهاء وتخضع لهم الرقاب، وخلفهم حرس وحشم وحمايات فطغوا وبغوا وأغرقوا في الفساد والسرقات والرشاوى والمحسوبية، تعالوا على الآخرين وعاشوا بمعزل عن عامة الناس وابتزوا المحتاجين، فتكونت طبقة محدثة من حديثي النعمة، غالبيتهم من مناطق بغداد والجنوب الشيعية، احتكروا المناصب المهمة، وأصبحت نسبة أبناء الطائفة السنية بين ضباط الجيش والشرطة لا تزيد عن 5 %
بفعل السرقات وسوء أداء هؤلاء الضائعين ومزوري الشهادات توقفت التنمية وساءت أحوال البلد الاقتصادية وأصبح ثلثا مجموع الشعب تحت خط الفقر، لسرقة وضياع الأموال العامة وتقاسمها بينهم، وشمل تزوير الوثائق والشهادات الثانوية والجامعية البكالوريوس والماجستير والدكتوراه الوزراء ومجلس النواب والسفراء والمبعوثين وشاغلي المجالس المحلية، ووصل عدد الشهادات المزورة إلى مئات الآلاف، والدولة تعلم بذلك فازدادت نسبة المعدمين والمستضعفين، وتردت الخدمات العامة، شح في المياه النقية الصالحة للشرب، وانقطاع في التيار الكهربائي، وعوز في خدمات النقل العام، وانسداد في مجاري المياه الثقيلة، ومنافذ تصريف مياه الأمطار، وانتشار القمامة في الشوارع والأزقة، وازدحام الطرق بالسيارات نتيجة كثرة مفارز التفتيش التي تسخر من الناس وفق أسمائهم ومحافظاتهم وعلى وجه الخصوص المسافرين من المحافظات السنية «الأنبار وصلاح الدين وديالى» من وإلى بغداد لقربهم منها.
وفي الحقيقة لم تكن الكارثة وقفا على أبناء الأنبار دون غيرهم، بشهادة التظاهرات التي خرجت في المحافظات وعمت المدن العراقية تستنكر سوء الأوضاع وترديها، بيد أن أهل الأنبار كانوا فوق كل هذه المعاناة، يداهمون ليلا ويعتقلون وتعتقل النساء، وتهمش رموزهم وتتهم بالإرهاب، وتتعرض لهم المليشيات على مفارز الطرق، وتغتصب حقوقهم وتوضع عليهم علامات الاستفهام أينما وجدوا، ووقعوا بين ناري القاعدة والمليشيات الطائفية فطفح الكيل، وسنتحدث عن مظاهر هذا الظلم وردة فعلهم تجاهها. وللحديث صلة.