لا يمكن فصل ما يجري في الأنبار عما يجري في سائر أنحاء العراق، من تهميش للعرب السنة، فهي المحافظة التي يشكلون فيها 100 % من السكان، غالبيتهم من الطبقة المتوسطة المثقفة، وفي عام 1959 كانت أول محافظة عراقية يقرر أهلها مقاومة المد الشيوعي وطرد كل الحزبيين إلى خارج المحافظة، لقوة الاتجاهين الإسلامي والقومي، وكانا يتنافسان على قيادات المجتمع المدني ورئاسة نقابة المعلمين، وهو ما يؤكد تمسك المحافظة بدينها وعروبتها، وتعد الأنبار الباروميتر الذي يقيس تفاعل العراقيين مع الأحداث في العراق والعالم العربي والإسلامي، وتأتي مدينة الموصل بالمحافظة بالدرجة الثانية، هاتان المحافظتان مع مدينتي سامراء وتكريت في صلاح الدين أهم المراكز المؤثرة في سياسة العراق وقياداته.
ومن أهم المظاهر التي دفعت الأنباريين نحو مقاومة الاحتلال، غطرسة الأميركيين واعتداء جنودهم على الناس بصفاقة، وقيام مجموعات شيعية بمساعدة المليشيات القادمة من إيران باغتصاب المساجد السنية ببغداد والمحافظات والاستيلاء عليها وطرد المؤذنين والأئمة وقتل من قاوم منهم، بحجة أن الدولة لم تكن تبني للشيعة مساجد، ولم تحرك المرجعيات الشيعية ساكنا رغم مناشدة علماء السنة لها، ولم تعر السلطات المؤقتة اهتماما لاستعادتها. ومازال الكثير من المساجد والجوامع مغتصبا، ولا أدري كيف أجازت المراجع الشيعية الصلاة في مساجد مغتصبة، فكان لابد أن يشعر العربي السني إزاء هذا الاعتداء بالظلم والحيف والقلق خصوصا في الانبار.
ظاهرة الاستيلاء على المساجد أذكت في الأنباريين الحمية الطائفية ودفعتهم للانضمام إلى فرق المقاومة بقوة تحت شعار مقاومة الاحتلال ودفاعا عن حرمات الإسلام التي انتهكها الصفويون. واستغلت القاعدة فتح الحدود العراقية لمن هب ودب منذ اليوم الأول للاحتلال ودخول العراق واستقطاب بعض الشباب كواحدة من التنظيمات الجهادية التي تصدت للاحتلال وقاومته، وقيل وصل عددها إلى ثمانين تنظيما، وحرب الفلوجة الأولى والثانية ضد المحتلين شاهد لما حدث في الأنبار، حيث أصبحت غالبية الشباب مقاومة، وحين دخلت القوات الأميركية الفلوجة عنوة في حملتها الثانية بعد حصار دام طويلا، انتشر المقاومون في كل مناطق العراق وامتدت المقاومة إلى كل مكان تواجد فيه الأميركان. كما أن تصفية الأساتذة الجامعيين والأطباء والعسكريين والمهندسين والصحافيين خصوصا البعثيين السنة بالاغتيالات، وانتشار جنود الاحتلال في أنحاء البلد لبسط سيطرتهم وتمكين وجودهم إلى الأبد، هو ما زاد من سرعة انتشار المقاومة.
أما الانقسام المجتمعي على أسس طائفية فكان تنظيم القاعدة أحد أسبابه، حيث اتخذت القاعدة استراتيجية الرد على اعتداءات المليشيات الشيعية بالمثل، حينما يقتل أستاذ جامعي أو طبيب سني تقتل القاعدة بالمثل أستاذا جامعيا شيعيا أو طبيبا، وبدا الموضوع ثأريا، وعمقت هذه الاغتيالات منظمات صهيونية سرية مارست اغتيال العلماء فزادت الطين بلة وحرجا، ووقفت المنظمات السنية الجهادية وعلماء الدين السنة ضد القاعدة والاغتيالات واستنكروها، وكفروا مرتكبيها، فغضبت القاعدة وبدأت تقتل العلماء السنة الذين يقاومون استراتيجيتها، وهذا ما لم يفهمه الشيعة، ولم يتجاوب معه الساسة الجدد، وتركوا العامة في حالة هيجان وانفلات، وكان يمكن أن تكون هذه الظاهرة عامل وحدة بين الشيعة والسنة ضد القاعدة والاغتيالات وليس عامل انقسام ولكنها فرصة أهدرتها المرجعيات والساسة فذهبت سدا.
ومن الأسباب التي أدت إلى الانقسام الطائفي أيضا أن المرجعيات الشيعية في العراق تخلت عن المقاومة، ما عدا الصدريين الذين كان لهم نشاط محمود لم يستمر وتوقف بضغوط من إيران، وزاد في الانقسام خبث القيادة العسكرية الأميركية التي بدأت تسير أرتال دباباتها ومركباتها وتطعم طاقم كل مركبة بجنديين أميركيين وخمسة عراقيين من الشيعة، وحين يهاجم المقاومون رتلا أميركيا يسقط ضحايا عراقيون، فيروج الإعلام الموالي للاحتلال أن المقاومة تقتل العراقيين، والهدف شيطنة المقاومة. واقتصرت الاعتقالات والمداهمات سواء التي يقوم بها الأميركان أو الحكومة المؤقتة على العرب السنة وغالبيتهم من الانبار فهم من يقاوم الاحتلال وعلى مقربة من بغداد، حتى تجاوز العدد “مئة وخمسين ألفا”، وليس بخاف ما تعرض له المعتقلون من تعذيب وإعدامات واغتصاب في سجون الأميركيين والحكومة المؤقتة، وهكذا نجد الأنباريين يحملون تراكمات الظلم والطغيان والتهميش طيلة عشر سنوات مضت فما يجري اليوم في الانبار تراكم لجور السنين تفجر أخيرا بتمادي حكومة المالكي وطغيانها، وللحديث صلة.