العدد 1990
الخميس 27 مارس 2014
هل ترك الأقوياء للضعفاء حقاً؟ (1) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الخميس 27 مارس 2014

لم تستطع الدساتير الدولية والمواثيق والمعاهدات والمنظمات والنظام الدولي وكل ما شرع وكتب وأعلن رسميا على رؤوس الأشهاد في عالم اليوم المتطور صناعيا ومدنيا وحضاريا إثبات وجودها وجدواها على أرض الواقع، ولم توقف ما ارتكبه عالم الأقوياء الأشرار من مآس وكوارث ومجازر بحق المستضعفين هنا وهناك، اليوم يجتث الإنسان قهرا من جذوره، وتمسخ هويته وتهان كل القيم الإنسانية والقوانين الدولية، نهارا جهارا بجرأة وتحد؟ ولا نجد من يتصدى للهجمة الوحشية التي لا تستثني ضعيفا ولا فقيرا، لا رجلا ولا امرأة، لا رضيعا ولا شيخا، لا البشر ولا الحيوان ولا الطير ولا الشجر ولا الحجر، والأدلة والشواهد شاخصة وماثلة للعيان، ليست خافية على أحد من العالمين ولا بحاجة إلى إثبات.
لم يعد في الهمجية والعدوان فضل للشرق على الغرب، ولا للغرب على الشرق، كلهم سواء عند حرب المصالح وتقسيم الأرزاق واللقيمات، لا ذمة ولا دين ولا خلق ولا ثوابت، ورأينا كلا منهم يسعى لنزع قشرة الشرعية وخلع ثوب السلام وارتداء دروع العدوان، يكشرون عن أنيابهم ويقرعون طبول الغزو حينما تطلبت مصالحهم، يخرقون قواعد الأمن والسلام والأصول والمواثيق الدولية بلا حذر ولا تحرز، عالم اليوم غابة موحشة يأكل فيها القوي الضعيف، ويبتلع فيها الكبير الصغير! ألم تتجاوز أميركا وبريطانيا وحلفاؤهما مجلس الأمن باعتدائها على العراق عضو الأسرة الدولية بالباطل؟ ألم تتسبب أميركا في هلاك الملايين من شعبه قتلا بالنار والحديد والجوع والمرض والتهجير؟ استنزفت ثرواته تحت ذرائع واهية وملفقة، من حاسبها على سوء فعلتها؟ أو استطاع التصدي لها؟ وهل عدوانها هذا الأول والأخير؟ ألم تجرم من قبل بحق الفلسطينيين وهي تسهم بغرس بذرة الشر الخبيثة إسرائيل في المنطقة وفق ما تقتضي مصالحها؟ وهل لديها الاستعداد للاعتراف بعدوانها والتكفير عن جرائمها؟
وهل كان لدى فرنسا تفويض من مجلس الأمن حين دخلت مالي وطردت العرب المسلمين وهجرتهم بذريعة محاربة الإرهاب؟ ومن غيرهم لديه ما يرهبون به الناس من أسلحة دمار شامل جربوها من قبل على أبناء الجزائر في الصحراء؟ وبعد مرور نصف قرن هل اعترفت فرنسا بجرائمها ضد الإنسانية التي ارتكبتها في استعمارها للجزائر؟ ولماذا لا توقف فرنسا جرائم التطهير الصليبي بحق المسلمين الذي يجري في أفريقا الوسطى، حيث ترتكب المجازر الوحشية تحت سمع ونظر قواتها والعالم يتفرج؟ وهل أوقفت العولمة محرقة المسلمين الرومنطيقا وتهجيرهم في ميانمار؟ واليوم تحتل روسيا جزيرة القرم وتقضمها بالقوة من أوكرانيا ليتباكى عليها الأميركان والأوربيون؟ وكأنهم أخيار لم يرتكبوا عدوانا من قبل، ومازلنا ننتظر خطوات تالية تمضي بها أجزاء من أوكرانيا على طريق الضم باحتلال الجيش الروسي المباشر، فهل استطاع مجلس الأمن الحفاظ على السلم العالمي؟ ألا تثبت هذه الأحداث عمق ذهنية الغزو في عقول الكبار على حساب عالم الضعفاء؟ كذب من يدعي جدوى هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها التي لم يبق لها وجود فاعل! وأين مجلس الأمن من احتلال بريطانيا لجزر فوكلاند الأرجنتينية بالقوة ومازالت تحتفظ بها؟ وهل مستعمرتا سبته ومليليا الواقعتان في الأرض العربية المغربية إسبانية تاريخيا وجغرافيا؟ وأين منها مواثيق ومعاهدات تصفية الاستعمار؟ ألا يعيد كل هذا إلى الذاكرة مناخ استعمار الكبار للصغار أوائل القرن الماضي وإمكانية عودة عهود الهيمنة والاستحواذ على مقادير الشعوب؟
وفي ظل المتغيرات الدولية وتعطل مجلس الأمن، وتراجع الدور الأميركي وانسحابه من خرائط الصراع على النفوذ العالمي لن نستبعد غدا وثوب التنين الصيني الذي نما وتطاول بصمت وغفلة على أقاليم شرق آسيا النائية، وليس بعيدا أن تترجم الصين هي الأخرى أطماعها في الجزر اليابانية إلى واقع مادامت دولة نووية يحق لها ما يحق لغيرها، لا فرق بين الأغنياء في بسط اليد على الفقراء، فأين عالم الحق والعدالة في عالمنا المعاصر؟ وللموضوع صلة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية