العدد 1881
الأحد 08 ديسمبر 2013
حراك اليمن الجنوبي وعواقب الانفصال د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الأحد 08 ديسمبر 2013

شبابنا اليوم يسمع بالحراك الجنوبي اليمني ولا يعلم عنه شيئا، الحراك نشاط سياسي برزت معالمه في محافظات جنوب اليمن منذ سبع سنوات، ولجنوب اليمن تاريخ باتت لا تعرفه الأجيال، احتلته بريطانيا العام 1839م، ولم تسمح له بتشكيل قوات أمن وطنية إلا العام 1918؛ حذرا من زحف الإمام الزيدي حاكم اليمن الشمالي على عدن، وفشلت مشاريع بريطانيا في إدارة المنطقة والسيطرة عليها وواجهت انتفاضات وتمردات شعبية عدة، حتى اندلعت ثورة 1963 وغادرته بريطانيا العام 1967؛ ليحصل جنوب اليمن وعاصمته عدن على الاستقلال بنظام جمهوري ماركسي سيطر فيه الحزب الاشتراكي (الشيوعي) على مقاليد الأمور بحزم، وأسس جيشا قويا بسلاح روسي عُد من أقوى جيوش المنطقة، ولكن أصابته لعنة الانتماء القبيلي، فحدثت له انشقاقات وصدامات مسلحة، خلفت آلاف القتلى والجرحى، عُزل فيها رؤساء وأُعدم ونُفي وقُتل آخرون، آخرها العام 1986 هرب فيها ضباط جنوبيون ليلتحقوا بالشمال، ومنهم الرئيس الحالي، فكانت العلاقات بين الشطرين تتقلب بين التقارب والتوتر.
جرت مفاوضات لتوحيد الشطرين العام 1972، وتأجلت إلى 1979، فأعيد طرحها باجتماع القمة العربية بالكويت. وفي 1988 تمت لقاءات بين شطري اليمن، فسمح لمواطني كلا الطرفين السفر ببطاقة التعريف، وتأسست منطقة استكشاف نفط مشتركة، وأعيد طرح فكرة الوحدة، فاستكملت بإعلان الوحدة والاندماج سياسيا واقتصاديا العام1990 برئاسة صالح ونائبه البيض، وشُكل مجلس رئاسي وعُين رئيس للوزراء. وسُن دستور موحد التزاما بنظام سياسي منتخب متعدد الأحزاب، يحترم حقوق الإنسان، وانتخب برلمان 1993 رأسه الشيخ الأحمر.
لم يدم التوافق طويلا، اختلف الرئيس ونائبه وتراشقوا التهم إثر اغتيالات وتفجيرات أعقبتها مناوشات تهدأ وتتجدد؛ ليتصاعد التوتر ويعلن القادة الجنوبيون الانفصال، ويندلع القتال بين قوات الشطرين، هرب فيه الانفصاليون وانتصرت الوحدة، وعشت بنفسي أجواء الحرب وشاهدت وقائعها، وزرت عدن بعد أربعة أيام من دخول قوات الشمال إليها، وصور ما حدث لازلت تتجسد بمخيلتي، الإحصاءات الرسمية تشير إلى مقتل سبعة آلاف مدني وعسكري وخسائر بثلاث مليارات دولار. أراد صالح رتق الصدع فعفا عن الضباط الجنوبيين المقاتلين والأسرى وأحال فريقا منهم على التقاعد، وبقي الكثير منهم يشعر بالمهانة والعزلة والقهر مكبوتا سنين، حتى شكل بعضهم ما يدعى بالحراك الجنوبي عام 2007.
بدأ الحراك الجنوبي بتنظيم مسيرات وتظاهرات احتجاجاً على هيمنة الشماليين على الوظائف المهمة والمصالح الحساسة، وتطورت من مطالبة بمظالم سياسية واقتصادية إلى المطالبة بالانفصال ثانية واستعادة استقلال دولة الجنوب، فيتدخل الأمن بالاعتقالات وأحيانا بالرصاص ويسقط شهداء فتصاعد السخط وانضم إلى الحراك بعض الإسلاميين المتشددين كفصيل طارق الفضلي، واتسعت الاصطدامات مع قوات الأمن حتى تفجرت ثورة الشباب ربيع 2011 ضد نظام الرئيس صالح وانضم الحراك إليها، وسحب قسم من نشطائه المطالبة بالانفصال مؤقتا وأصر عليه آخرون، وبعد رحيل الرئيس صالح خصص للحراك وأبناء الجنوب نصف مقاعد مؤتمر الحوار الوطني بمارس 2013 لحل مشكلات البلاد كالقضية الجنوبية والتمرد الحوثي في الشمال، وتعديل الدستور، ومع ذلك قرر فصيلان من الحراك المشاركة في المؤتمر ورفضها آخرون ولاسيما فصيل البيض نائب الرئيس اليمني السابق الاشتراكي المقيم في المنفى، ويختلف أبناء الجنوب أنفسهم حول الحفاظ على الوحدة أو الانفصال، ولطالما حصلت أو كادت تحصل بينهم مصادمات في التظاهرات والمسيرات يتلافاها الأمن بالفصل بينهما.
اليوم يهدد الحوثيون والحراك الجنوبي بالانسحاب من الحوار؛ للعودة باليمن إلى نقطة الصفر وأسوأ، فهم يضعون العصا بالعجلة لإيقاف دورانها، فإن انفصلا عن اليمن لن يتركا ما تبقى منه يعيش بسلام، وإن حصل كل منهما على إقليم ضمن يمن موحد فدرالي، لن يكفا عن التمدد والاتساع وإثارة المشاكل، ولاسيما أنهم يطالبون بمكاسب إضافية عما أصابهم من مظلومية سابقة، فإذا انضم إليهما تنظيم القاعدة الدموي وفلول نظام صالح القديم ندرك عمق المشكلات اليمنية وعقدها وخطر السوسة التي تحفر تحت جدار الوحدة، وقد تتسبب بانهيارها ليحل باليمنيين ومن حولهم طوفان العصر الذي يفاقم حالة الإرهاب والفقر والمرض والتخلف.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .