كسرت ثورات الربيع العربي حاجز الخوف لدى المواطن، ودفعت المتعلمين إلى متابعة الأحداث والمشاركة في صناعتها، فأصبحوا مثقفين يعون ما يدور حولهم، وفي اليمن سقطت ورقة التوت وتعرت حقيقة مؤسسة الحكم، وطوال سنتين من ثورة الربيع ومقاومة الاستبداد واحتكار السلطة، لم يبق في اليمن مهادن أو محايد، كل فرد لديه قضية يدافع عنها بالفكر أو بالسلاح، وقدمت اليمن خلالها تضحيات كبيرة ايجابياتها تصب في صالح الجماعات المتصارعة، وسلبياتها وخسائرها تكبدتها الدولة اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا، وإشكاليات اليمن المستعصية ومشاكلها كثيرة وازدادت تعقيدا وسوءا بوجود الحوثيين، الذين أصبحوا جزءا معوقا وليس جزءا من الحل.
ينتشر الحوثيون بمنطقة جهوية تغطي مساحة محافظات ومدن متجاورة وممتدة لصعدة وحجة وعمران والجوف ومأرب قابلة لأن تكون إقليما، وهم يمتلكون سلاحا خفيفا ومتوسطا وثقيلا، وبعد رحيل صالح تحكموا في تعيين المحافظين ورؤساء المؤسسات فأصبحت رواتبهم من الدولة وولاؤهم للحوثيين الذين ارتبطوا بولاء طائفي وكلمة شرف مع إيران وحزب الله يدعمونهم بالسلاح والمدربين والمال والإعلام العالمي، وما عاد انتماؤهم خالصا لليمن، وقد فقدوا الثقة بالحكومة والأحزاب والقبائل التي لا تواليهم، واشتبكوا مع الجيش بمعارك دامية امتدت أشهرا ست مرات متتالية بست سنوات من 2004 إلى 2010، ولم تستطع حكومة صالح كسر شوكتهم، فكيف الحال اليوم بظل حكومة انتقالية ضعيفة عاجزة عن كبح جماحهم.
عدوان الحوثيين على دماج اليوم ليس حربا، وإنما استنزاف وتحرشات ورسالة للمتحاورين في صنعاء وللحكومة بعدم الرضا، وأنهم الطرف الأقوى القادر على اتخاذ قراره بنفسه، وإنذار وإذلال للشافعية بمناطقهم، ومشاركة الحوثيين في الحوار الوطني في صنعاء لا تنبع عن صدق إنما ذريعة لإضعافه، ولو أرادوا احتلال مدينة دماج ودفنها تحت الأرض بما لديهم من سلاح لاستطاعوا في أيام، هم اليوم مدعومون أشبه بوضع حزب الله في لبنان والأكراد في العراق، أميركا تدعم الأكراد ولكنها أقل تهورا واندفاعا من إيران التي تدعم الحوثيين وحزب الله والأسد.
ومما يضاعف من خطر الحوثيين أن الرئيس السابق علي عبدالله صالح زيدي قبلي خاض ضد الحوثيين ست معارك حامية الوطيس وهو في السلطة، ولديه اليوم إرهاصات بالتعاون معهم إذا ضمنوا له مكاسب شخصية مغرية، وهو قادر على المكر والالتفاف بمهارة، ولعب دورا أساسيا في إفشال الحوار، وترجيح كفة الحوثيين بتعاونه معهم. وتزداد الخطورة إذا حصل تعاون وتنسيق بين الحوثيين وقوى الحراك الجنوبي الانفصالي، رغم الاختلاف المذهبي فالجنوبيون الاشتراكيون من الناحية النظرية شوافع، وتعاونهم مع الحوثيين تكتيكي يخدم مصالح كل منهم الجهوية، بطريقة “حمّلني وأحمّلك” في تقاسم الحصص والإصرار على تكريس فكرة الأقاليم لصالح الانفصال والتقسيم، وليس لصالح وحدة اليمن، أما تعاون الحوثيين مع القاعدة حتى لو افترضنا وجوده لن يدوم.
ومن موطن ضعف الحوثيين أنهم رغم قوتهم لا يشكلون أغلبية عددية بين اليمنيين، ولا بين الزيدية، فمازال كثير من عامة القبائل الزيدية وفقهائها يرفضون الحوثيين ويختلفون معهم ويؤثرون الانتماء القبلي، ويرونهم خرجوا عن المذهب الزيدي والاعتدال الذي يحرم زواج المتعة، ويرفضون الغلو والإساءة إلى الصحابة، ويؤمنون بأفضلية الإمام علي لا غير، وهم على توافق وتعايش تام مع المذهب الشافعي أكثر من توافقهم مع الفرق الشيعية الأخرى. مما يجعل المواجهة ليست بين الشافعية والزيدية إنما بين الحوثيين واليمنيين عامة، ولا ننسى التجمع اليمني للإصلاح الذي يجمع أهل السنة والسلف والإخوان وزيدية ملتزمين بمذهبهم، فلهم ثقل شعبي يفوق بقية الأحزاب كالاشتراكي والبعث والناصري وأحزاب علمانية ليبرالية أخرى ويشجبون التوجه الحوثي الطائفي أيضا. قادرون بتكاتفهم مع أنصار الوحدة اليمنية لو أحكموا خططهم على مجابهة الحوثيين والحد من خطرهم بالانتخابات الديمقراطية النزيهة، أما ماهية الخطر الذي يمثله الحوثيون فمصدره ارتباطهم بدولة أجنبية لها طموحات توسعية، وفكر طائفي متشدد، والسلاح الذي يتدفق بلا حساب، وللحديث بقية بحلقة قادمة إن شاء الله.