الغريب في مصر انقلاب مجريات اللعبة السياسية رأسا على عقب، وتراجع المنطق العلماني الليبرالي مئة وثمانين درجة إلى الوراء، فأصبح اليسار يمينا، واليمين يسارا، وهذا ما حدث ويحدث اليوم، فالإسلاميون المتهمون بالرجعية وعدم الإيمان بالديمقراطية يتمسكون بالشرعية الانتخابية جوهر الديمقراطية، والعلمانيون الليبراليون المتمسكون بالديمقراطية وشرعية الصندوق ينقلبون عليها ويستبدلونها بثورية الغلبة بقوة سلاح العسكر، ويصبحون دكتاتوريين أكثر من الدكتاتور. ومن الظواهر الغريبة في الوطن العربي أيضا أن ينقلب العسكر على الرئيس الدكتاتور “ولم اسمع بدكتاتور منتخب” ودائما انقلاباتهم ثورة - ولأول مرة في الوطن العربي يعزل رئيس ويخرج الشعب بتظاهرات تكاد تكون يومية تؤيد الرئيس طيلة خمسة أشهر ولا يمل ولا يهاب آلة القتل العسكرية التي تقتل العشرات ويريد الاستمرار. أيكون هذا الشعب الذي يبدي استعدادا للتضحية ويتظاهر ويعتصم ويشجب الانقلاب متحديا النار والحديد دكتاتوريا؟.
ومن بدع الليبرالية العلمانية أن يفوز حزب أو جماعة بأغلبية ساحقة بانتخابات مجلس النواب ومجلس الشورى ورئاسة الجمهورية، ويستفتي الشعب على الدستور، وتطالب أحزاب ليبرالية صغيرة بلا قواعد بالمشاركة في الحكومة، ثم ينبري العسكر بتفويض القلة باحتجاز الرئيس ويعتقلون من حصدوا الأغلبية بخيار الصندوق ويتهمونهم بالدكتاتورية والتفرد، يهمشونهم ويعزلونهم وينفردون بالحكم ويقال عنهم إنهم ثوار وثورة!.
ومن الغريب الذي لا سابق له القول إن الدكتاتورية حكم الفرد، والديمقراطية حكم الجماعة، التي لها الأغلبية، ثم يؤخذ على الرئيس مرسي مرشح حزب الأغلبية “الحرية والعدالة” انه يأتمر بأمر جماعته “الإخوان المسلمون”، ويعيبون عليه أخذ رأي الجماعة التي رشحته في اتحاذ القرار ويدعونه للتفرد بنفسه دون الرجوع لممثلي جمهوره، فأين يا ترى الديمقراطية؟ كأن أوباما الديمقراطي عندما يتخذ قرارا يستشير الجمهوريين لا الديمقراطيين، وكأن الكونغرس الأميركي حينما صوت لبوش بغزو العراق بأغلبية أصوات اليد الواحدة التفت لرأي الديمقراطيين المعارضين، وحينما تظاهر الشعب الأميركي ضد الغزو كان على الجيش أن يتحرك لعزله لكن ديمقراطية أميركا هجينة وحركة تمرد المصرية هي الديمقراطية!.
ومن الغريب الذي لا يستغرب قرارات أميركا الملبسة والملتبسة في الشأن العربي فحسب، فالسيد أوباما قدس سره يقول: الرئيس مرسي انتخب ديمقراطيا، ولم يكن ديمقراطيا في حكمه! - نظرية جديدة - ويأمل ان الانقلابيين العسكر أكثر ديمقراطية بقوة السلاح، ثوريون لا انقلابيون، ثم يقال أميركا تدعم الإخوان المسلمين ولا تدعم الانقلابيين العسكر! وينسى أوباما أنه خالف الأغلبية في الكونغرس في قرار إقرار الميزانية وعطل عمل الحكومة وخسرت أميركا مليارات الدولارات بسبب تعسفه باستخدام الحق في فرض قانون الرعاية الصحية الذي شرعه حزبه، فمن هو الديمقراطي؟ ومن هو الدكتاتوري؟.
العيب اليوم ليس في ثورة الربيع العربي، وليس في الديمقراطية، إنما في العقل العربي ولاسيما عقول العلمانيين اللبراليين الذين تعلقوا بأذيال الديمقراطية ولم يؤمنوا بجوهرها، عقل النخبة المتعلمة التي تدعي الثقافة، النخبة العربية اليوم من أبناء الطبقات المسحوقة ذاقوا الفقر والإذلال في ظل حكومات مستبدة، تطبعوا فيها بتقاليد ايثار الذات على الأسرة، والأسرة على القبيلة، والقبيلة على الوطن، والوطن على الأمة، وأتاحت لهم ثورات العسكر بعثات خارج الوطن - وهو امر حسن - ولكن سافروا للدراسة قبل أن تتاح لهم فرصة الإعداد عقائديا وقوميا ووطنيا ونفسيا، درسوا في الغرب وانبهروا بالقشرة والظاهر، وحسبوا الحرية تحللا من القيم العقائدية والأعراف القومية، ولم يتغيروا من الداخل، “والطبع غلب التطبع” وظلوا يقيمون المواقف بمنظار المنفعة الضيقة، لا يعنيهم إلا رضا أمزجتهم، ولا تعجبهم بداهة الإسلام السياسي لمجرد أنه إسلامي، ولا تعجبهم ان تولد الديمقراطية على يد التيار الإسلامي، فوقفت شرائحهم المتعلمة وليس المثقفة ضد الثورة طالما فيها إسلام لا الغرب، وانحازوا إلى الانقلابيين ضد الشرعية كراهية في الإخوان، ولجهلهم بجوهر الديمقراطية انساقوا خلف العسكر ولم يعوا أنهم كالمستجير من الرمضاء بالنار. وما دروا نار الشرعية ولا جنة الدكتاتورية. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.