ما يحدث في مصر تنعكس أبعاده إن خيرا أو شرا في سائر أرجاء الوطن العربي، فمصر أكبر دولة عربية ولها دور فاعل في قيادة النهضة العربية الحديثة، ومن المتعارف عليه منذ أن كنا شبابا “مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ”، فلمصر القيادة والريادة في الدين والفكر وحركة التحرر العربي والكفاح ضد المستعمر، تعيش في قلوبنا، وتمر اليوم بأزمة وطنية حادة شطرت المثقفين والسياسيين، والجيش والشعب، وقسمت الشارع العربي من الخليج إلى المحيط.
حين أضع مصر بين خيارين الشرعية الديمقراطية الانتخابية أو الدكتاتورية، فقد جربنا ثورات العسكر فيما مضى ودائما يتراجع سقف الحريات في ظلهم ويرتفع سقف الدكتاتورية تحت شعار الشرعية الثورية حتى تبلغ القلوب الحناجر، ولأول مرة في الوطن العربي يثور شعب مصر ليسقط الدكتاتورية ويتمسك بالشرعية الانتخابية، وكأن الجيش استكثر على الشعب أن ينتخب رئيسه بنفسه ويتولى أمره رئيس بثوب مدني وحكومة مدنية تستند إلى الصناديق فانقلب عليها العسكر، وأطفأ شمعة عيد الميلاد الأولى وخنق الوليد.
لست من الإخوان، ولا معهم كما قد يتصور بعضهم، وإنما مع الشرعية التي لم تُعط الوقت الذي أعطي لثورات العسكر الذين جثموا على الصدور عقودا وأخفقوا، وسأتخذ أسلوب الموازنة بين فترتين متشابهتين على قصرهما، حكم الرئيس الشرعي سنة، ومضت أشهر لحكم العسكر، فما ملاح كل منهما ومعطياته، الرئيس الشرعي واجه من اليوم الأول معارضة قوية مدعومة بالدولة العميقة التي حاولت إفشال كل خطوة يخطوها الرئيس المنتخب، ومع ذلك لم تغلق الشرعية الإسلامية صحيفة ولم توقف فضائية كما فعلت الثورية العسكرية اللبرالية التي أغلقت العديد من الصحف والفضائيات دفعة واحدة من اليوم الأول لتوجه رسالة تحذير قوية للإعلام بكتم الأفواه، وسجنت صحافيين بمحاكمات عسكرية واعتقلت آخرين بينهم عرب. وأين باسم يوسف مخرج برنامج “البرنامج” الذي كال أطنان الإهانات لمرسي؟ وبعد حلقة متواضعة حُجب برنامجه وفر إلى الإمارات.
التظاهرات التي جابهت الرئيس المنتخب كانت تحرق مؤسسات حكومية ومتاحف وكنائس وأحزاب وحاصرت قصر الاتحادية، وجاء المتظاهرون برافعة لخلع أبواب القصر ولم يُقتلوا كما قُتل المصلون عند صلاة الفجر، وكانت الدولة العميقة تدفع البلطجية للاعتداء على أنصار الشرعية بالأسلحة البيضاء والنارية وتتعرض مقرات الإخوان للاقتحام والحرق، بينما مظاهرات واعتصامات الشرعية اليوم سلمية لا تقتحم، ولا تحرق، ولا تقتل، وإنما يُقتل المتظاهرون بأيدي البلطجية الذين تحميهم قوات الأمن والجيش، وظل المعتصمون في ميدان التحرير مقيمين طيلة أيام حكم الشرعية الإسلامية ولم يقتحم الجيش والشرطة اعتصامهم كما فضت عساكر السيسي اعتصام رابعة العدوية وميدان النهضة وقتلوا مئات الضحايا وأحرقوا المساجد والجوامع وحاصروا المصلين داخلها واعتقلوهم، ولم يمنع مرسي المتظاهرين من التجمع في ميدان معين كما تمنع حكومة العسكر اليوم أنصار الشرعية وتسمح لمناصريها. ولم يشرع الرئيس المنتخب قانونا للتظاهر كما يفعل الرئيس المؤقت كخيال الظل، ولم يمدد فترة الحبس الاحتياطي إلى ما لا نهاية.
الرئيس الشرعي المنتخب أكاديمي حصن قراراته لحين إقرار الدستور وانتخاب مجلس النواب، بينما يطالب السيسي المتورط بتحصين نفسه عشر سنوات لعلمه بما ارتكب وما ينتظره، ولم يعتقل الرئيس المنتحب المحسوب على الصقور قيادات معارضة ولم يسجن أو يحاكم أحدا بتهم جزافية بقصد الاضطهاد، مع أنهم نالوا منه كثيرا، مثلما اعتقلت حكومة العسكر الثورية قيادات الإخوان وأحزاب أخرى وعشرات الآلاف من مؤيديهم، وأعدت لهم تهما مجانية، وتجدد حبسهم احتياطيا مرارا، مرسي لم يتهم من استقال من حكومته أو انشق واحتج بالخيانة كما اتهم السيسي البرادعي بالخيانة ففر من البلاد ولم يعد. ولم يعترض قضاء الدولة العميقة هو الآخر أي قرار للرئيس المؤقت المعين أو إعلان بالنقض كما كان يعترض على الرئيس مرسي الذي أغلق مكاتب الأمن في الجامعات، وأعادها الانقلابيون، فهل لمصر بعد هذه المقدمات خيار خارج الشرعية او الدكتاتورية؟.