العدد 1844
الجمعة 01 نوفمبر 2013
دمار الحرث والنسل في العراق د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 01 نوفمبر 2013


     حشدت الولايات المتحدة ثلاثين جيشا بتحالف دولي، وعبرت بأساطيلها وبوارجها المحيطات والبحار لغزو العراق وإعلانه بلدا محتلا بقرار من مجلس الأمن وجعلت نفسها وصية، على أمل أن يكون المحيط الإقليمي أكثر أمنا واستقرارا بغياب الرئيس صدام حسين، تمهيدا لشرق أوسط جديد خال من أسلحة الدمار الشامل (إلا لدى ربيبتها إسرائيل) واتضح زيف ادعائها امتلاك العراق أسلحة تهدد الأمن الإقليمي، ولم تكن صادقة فيما ادعت، ولا وفية بما وعدت.
أصبح العراق بعهدتها، ومن مسؤوليتها الحفاظ على مصالحه كما تقتضي الأعراف الدولية وميثاق الأمم المتحدة، باعتبارها أكبر دولة متحضرة في العالم ولكنها، حلت الجيش، وسرحت الشرطة وقوات الأمن، وسمحت بنهب ممتلكات الدولة وتخريب مؤسساتها، وجثمت سبع سنوات على صدور العراقيين استباحت فيها كل محرماتهم وأذاقتهم ألوان العذاب وأصناف المذلة، وجعلت البلد مرتعا للإرهاب، وبؤرة للفساد بكل أصنافه، والعالم يتفرج ولا يتكلم!
لم يترك العراقيون أميركا تهنأ بعيش آمن بل تصدوا لها ببسالة واقتدار، وصار جندها وجند حلفائها يتساقطون كالذباب جرحى وقتلى بعشرات الآلاف، ولم تجد كل تقنياتها وخططهم نفعا وضاقت بهم السبل، وتحت ضغوط شعوبهم التي لم تعد تحتمل وقع ضربات المقاومة فسحبت الدول جيوشها المثخنة بالجراح تباعا، وتركت أميركا وحيدة تتلقى الصدمات الموجعة حتى انسحبت تجر أذيال الخيبة، ولكنها أوكلت مهمتها لحليفتها من الباطن إيران الخمينية، وخولتها العبث بمقادير العراقيين وفق خطة مبيتة مدروسة تجلت ملامحها منذ الأيام الأولى للاحتلال حين سمحت لمليون إيراني ممن كانوا يعملون في العراق قبل الحرب العراقية الإيرانية ورحلوا أثناء الحرب بالعودة والدخول إلى العراق بصورة جماعية والانتشار في مدنه وقراه للإفساد والتخريب؛ لتخلع عليهم فيما بعد الجنسية العراقية، ويتولون المناصب العليا عملاء مزدوجين، وأصبحوا جزءا من المشكلة، فهم ألص من الفأر، وأزنى من القردة، وأفسد من الخنازير، درّبهم الحرس الثوري على انتهاك كل محرم، ورعاهم ومكنهم وسلطهم على الرقاب، فما يجري للعراق اليوم من تفجيرات وقتل وتدمير بلا رحمة ولا شفقة يتم بتخطيط وتعاون أميركي إيراني وتنفيذ قوات الحرس الثوري ويوسم باسم القاعدة زورا. فهذه الهجمات لا يمكن لمجموعة القيام بها إلا بظل الدولة ورعايتها، والعالم يسمع ويرى ويتغافل عن الجريمة البشعة بلا خجل مراعاة لعيون السيد أوباما!
ونسأل أميركا التي زحفت نحو العراق بربع مليون جندي، هل ما فعله الرئيس صدام حسين بالعراق يوازي أو يفوق ما يفعله بشار الأسد بسوريا من اعتقال وتعذيب وتهجير وقتل وقصف وتدمير؟ وهل حزب البعث أسوء من حزب الله بلبنان؟ فلماذا تدخلت في العراق بغطاء إنساني، ولا تتدخل بجدية لإيقاف نزيف الدم المتواصل في سوريا وجرائم لم تألفها البشرية؟ وهل تدمير الأسلحة الكيماوية المحفوظة بأماكن أمينة محروسة أكثر ضرورة من وقف نزف الدماء والعذاب البشري اليومي الذي يتعرض له السوريون، ثم ألا يعد العنف السائد في العراق جريمة ضد الإنسانية؟ فأين المجتمع الدولي من هذه الجرائم؟ لماذا تنزعج أميركا لفض متظاهرين مخربين أو لاعتقال متشدد ارتكب جرما في البحرين وتبدي امتعاضها، ولا تعترض ولا تحرك ساكنا لتنفيذ الإعدام بالعشرات في العراق بأحكام من محاكم صورية وبدوافع انتقامية مغلظة؟ لماذا يتجاهل المجتمع الدولي وعلى رأسه أميركا تظاهرات ست محافظات طيلة العام احتجاجا على معايير الحكومة المزدوجة في التعامل مع شعبها وتسلط فئة على آخرى، تنكل وتداهم وتهجر وتعذب وتتجسس فينتفض المظلوم مطالبا بحقوقه بسبب ما حاق به من مخلفات الاحتلال، ولا تبدي أميركا رأيا ولا تمتعض ولا يتدخل سفيرها ولا تطلب من مواليها في العراق أن ينصفوا الناس كما يتدخل السفير الأميركي ويفعل في البحرين؟ لماذا تغض أميركا والعالم الطرف عن تدخل الحرس الإيراني وحزب الله عسكريا في الشؤون العراقية وتتجاوزها تجاهلا وتغافلا؟ ولماذا يتهرب المجمع الدولي من مسؤولياته في العراق وقد شارك أميركا في جريمة الاحتلال؟ وهل ينتظر مجازر أعظم مما تجري؟ لا نطالب بتدخل عسكري، ولكن نريد كلمة حق يكفّر بها المجتمع الدولي عن سيئاته، وما يرتكب بحق هذا البلد الصابر، واتخاذ إجراءات دبلوماسية عقابية تخفف البلاء الذي يتعرض له العراقيون، والساكت عن الحق شيطان أخرس.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية