للبيت ثقافته وذكراه، رونقه وأثره، وبصمات الذين كانوا يعيشون فيه من الخليج إلى المحيط، تكتظ بلداننا العربية بالبيوت الأثرية التي شيدها مشاهير، وعاش فيها أدباء وشعراء وسلاطين، بكل تأكيد لست هنا في محل لرصد تلك البيوت من بعيد، أو الدخول إليها عما قريب، فهي تُعد بالآلاف على مستوى الوطن العربي، لكن هناك من البيوت التي حملت معها ثقافة تاريخ، وسجلت أحداثًا لا تُنسى.
في مصر مثلًا، بيت السحيمي، وقصر الشاعر أحمد شوقي، وبيت الغوري، وقصور العائلة العلوية التي حكمت مصر لأكثر من مائتي سنةـ تمامًا مثلما هو الحال بالنسبة لبيوت الزعماء السياسيين: بيت أم المصريين السيدة صفية زغلول، وبيت الزعيم سعد زغلول، والزعيم جمال عبد الناصر، والأديب العالمي نجيب محفوظ، وكوكب الشرق أم كلثوم، والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، والعملاق عميد المسرح العربي الفنان يوسف وهبي بك، والموسيقار محمد عبد الوهاب، وغيرهم من عظماء العصور المتعاقبة.
تلك البيوت التي اتسمت قسماتها وأركانها بذكريات لا تُنسى، وأحداث ستظل عالقة في عهدة الزمن كي تحمي تاريخ وطن، وتتعبد في محراب أمة.
هذه البيوت وغيرها التي تحولت إلى قصور ثقافية، مثل قصر ثقافة الغوري، وقصر ثقافة الريحاني، وغيره من القصور التي أصبح يرتادها الشعراء والمطربون والممثلون والفنانون التشكيليون والصحافيون وضيوف مصر المحروسة على مدى الزمن، وعلى البعد من الأيام.
وها نحن اليوم نجد بعض بصمات الزمن وقد تركت آثارها على هذه البيوت العريقة، الأمر الذي يحتاج بل ويفرض على وزارات وهيئات الثقافة لدينا ضرورة التدخل للعناية بها وترميم البعض منها، بعد أن تم إعادة ترميم العديد من الآيل للسقوط منها، وذلك الذي يعاني من الهجران الإنساني وعدم إدخاله ضمن خطط الدولة في المنظومة السياحية والثقافية، شأنها في ذلك شأن المقاهي الشعبية التي لها تاريخ، أمثال مقهى ريش، ومقهى الفيشاوي، ومقهى نجيب محفوظ وغيرها.
ومما يثلج الصدر أن وزارة الثقافة المصرية وهيئة قصور الثقافة قد قامتا بجهد كبير خلال السنوات العشرين الماضية بتجديد بعض البيوت الأثرية في القاهرة الخديوية القديمة، أمثال بيت السحيمي وبيت الغوري، وغيرها من البيوت التي شهدت أحداثًا وطنية خلال القرون الثلاث الماضية، مما يشكل منظومة ثقافية مؤثرة ألهمت الفنانين التشكيليين لكي يحكوا عن هذه البيوت في أعمالهم ولوحاتهم الفنية البديعة.
ولقد سمعت أيضًا عن بعض البيوت التي تم تجديدها وتمثل تاريخًا عريقًا في مملكة البحرين، بالتحديد بيوت العائلة الحاكمة عبر التاريخ، مثل قصر الشيخ حمد الذي تم تجديده ويقع في وسط العاصمة المنامة، والآن يُعتبر قصر الضيافة الأيقوني لمملكة البحرين، الذي يستضيف الملوك والرؤساء الذين يترددون دائمًا على مملكة البحرين في زيارات رسمية وخاصة.
ناهيك عن بيوت محافظة المحرق، مثل بيت سيادي، وبيت عدنان يوسف عبد الملك، وبيت الشيخ عيسى بن علي، على ما أذكر من قراءاتي المتعددة حول البحرين وبيوتها وقصورها العامرة، والتي تم تجديدها تخليدًا لذكرى، وحفظًا لتراث، وتأكيدًا لهوية، وهو ما يدل علينا كأمة واحدة؛ تراثها يدل عليها، وبيوتها تثبت شخصيتها، وقصورها العريقة تحمي تاريخها العريق.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |