يذكرني هذا البعث العظيم بدولة التلاوة في ولادتها الأولى خلال القرن العشرين، تحديدًا في ستينيات القرن الماضي، عندما تم تدشين أول إذاعة للقرآن الكريم في مصر لتبث برامجها لجميع الدول العربية والإسلامية في آسيا وإفريقيا ومختلف قارات العالم.
يذكرني المناخ الحالي، الذي استلهم خطوته الذهبية من ولادة دولة التلاوة في انطلاقتها الأولى، ليخرج علينا الشيخ محمود خليل الحصري مرتلًا كامل القرآن الكريم، وترافقه الأصوات التي هبطت من السماء، وكأنها كواكب متلألئة تملأ الأرض نورًا، والقلوب إيمانًا، والأرواح هيامًا وامتنانًا.
عندها أصبحت لدينا من خلال إذاعة القرآن الكريم منصة إعلامية عبر الراديو تستمع فيها لأروع الأصوات، وأقدس التواشيح، وأعذب التفسيرات وأرقاها.
خرجت علينا تسجيلات إمام القراء وسيد الأصوات الشيخ محمد رفعت - رحمه الله -، الذي اعتمدته الإذاعة مثلما اعتمدته المآذن ومساجد الدنيا ليصبح صوت رمضان الذي يؤذن علينا إيذانًا بموعد الإفطار، ويقرأ لنا آيات من الذكر الحكيم. ومن بعده يخرج علينا أحد رفقاء دربه من طنطا بلد الإمام السيد البدوي الشيخ النقشبندي ليملأ الدنيا خشوعًا، ونحن على موائد الإفطار الرمضاني السعيد، فتكتمل سعادتنا، ويهلل أطفالنا: رمضان جانا.. أهلًا رمضان. وتمتلئ الشوارع والمساجد بالناس قاصدين رب كريم، ومنتظرين الشيخ محمود صديق المنشاوي أو الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أو أبو العينين شعيشع أو مصطفى إسماعيل، وصولًا إلى الشيخ محمود علي البنا ومحمود الطبلاوي ومحمود الشحات، وغيرهم الكثيرين ممن جعلوا حياتنا أزهى وأبهى.
وها نحن اليوم نشهد عودة دولة التلاوة من جديد بعد الاتفاق التاريخي بين وزارة الأوقاف المصرية والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية لتدشين ذلك البعث العظيم لدولة التلاوة في ثوبها الجديد ومنافساتها التي تستهدف جموع الأطفال والشباب، وتخصيص برامج تليفزيونية وإذاعية للاستماع إلى المواهب الصاعدة، ورعايتها وصقل أصواتها من خلال الوسائل العلمية والتكنولوجية الحديثة.
الأمر الذي سيساعدنا على إعادة اكتشاف أنفسنا، وتعميق وجداننا الديني، والتأثير في الدول الشقيقة والصديقة، وإعادة الريادة لمصر الكنانة التي كرمها الله وحفظها من كل مكروه، فجاء ذكرها في القرآن الكريم عدة مرات، ليؤكد سبحانه وتعالى على مكانة مصر الروحية في قلوب العرب والمسلمين، وعلى دورها التنويري والإشعاعي والحضاري في مختلف بلدان العالم، لما لها من تاريخ عريق وتجارب عميقة في حماية الدين والذود عنه، سواء من خلال الأزهر الشريف، أو وزارة الأوقاف، أو المؤسسات الدينية النوعية، أو الأفراد والشخصيات الفكرية المؤثرة.
هنا تكمن أهمية عودة دولة التلاوة، وهنا تظهر رؤية «المتحدة للخدمات الإعلامية» ومعها وزارة الأوقاف المصرية لتكتبان تاريخًا جديدًا للأمة، وتطلقان رؤى ترتكز على ما نمتلك من ثروات بشرية ومواهب شبابية أصيلة وأصوات آن لها أن تأتي من بعيد لتقول لنا: إن محمد رفعت لم يمت، وإن الحصري ما زال حيًا بتراثه وتراتيله التي ما زالت تحتفظ إذاعتنا المصرية بها، وإن النقشبندي وطوبار وغيرهما ما زالوا بيننا، لأن الحقيقي لا يموت أبدًا.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |