العدد 6444
السبت 06 يونيو 2026
أشرف متحف في العالم
الأحد 02 نوفمبر 2025

لم تكن صدفة أن يتجمع هذا العدد من ملوك ورؤساء وأمراء العالم على أرض مصر العربية مرتين خلال شهر واحد.

لم يكن أمرًا سهلاً، وهم مشغولون بهموم بلادهم ومسؤوليات شعوبهم، أن يتركوا الجمل بما حمل، ويحملون أمتعتهم وحاشيتهم، وعدّتهم وعتادهم، ويوقفون عجلة الزمن ليأتوا إلى مصرنا العظيمة ملبّين نداء الإنسانية مرتين في شهر واحد.

المرة الأولى كانت عندما جاءوا للتوقيع على أهم اتفاقية سلام في التاريخ، نظرًا لشراسة الحرب التي حضروا لإيقافها، ولعدد القتلى والضحايا، وحجم الدمار الذي أحدثته، وهي حرب غزة. أما الزيارة الثانية فقد جاءت اليوم للمشاركة في افتتاح المتحف المصري الكبير وسط عشرات الآلاف من القياديين وكبار المسؤولين من عشرات الدول حول العالم، لكي يشاهدوا ويشهدوا على أعظم حضارة على وجه الأرض وهي تتجمع تحت سقف واحد، بالقرب من أعظم عجيبة إنسانية خالدة أمام الزمن، وهي أهرامات الجيزة.

ليس غريبًا أبدًا أن تكون مصر هي مهد الحضارات، وأخلد العطاءات، وأبدع الشعوب التي وقفت أمام الزمن وتحدّت أعتى المحن، وقالت بحزم وشموخ: أيها العالم، قف! فأنت أمام صناعة جديدة للتاريخ.

تاريخ تجاوز حدود التكنولوجيا، وتخطّى إنجازات الأمم الرقمية الذكية، وجاء من بعيد بعيد ليقول لكم: كانت هنا حضارة هي الأعظم، وما زالت لدينا حضارة هي الأكثر خلودًا، والأعمق تأثيرًا في هذا الوجود. لم يكن غريبًا أن تتحول أنظار العالم إلى القاهرة، عاصمة التاريخ والعالم القديم الجديد، وأن تحجّ إليها بكامل عدّتها وعتادها وآلتها الإعلامية الرقمية، لتؤرخ لولادة متحف هو الأعظم على مدى الزمن، والأكثر تأثيرًا في الأمم والحضارات، رغم غضبة الجغرافيا، وثورة الطبيعة، وغدر الإنسان بأخيه الإنسان.

جاء العالم إلى المتحف العظيم ليعانقوا فيه ثقافة بزغت، وعلومًا استباقية رفرفت، وأرواح ملوك وسلاطين وعلماء خيّمت، فأحدثت في الدنيا بأسرها ذلك الدويّ الهائل، وهي تحدّث العالم أجمع بلغة الأثر الخالد، والآثار الإنسانية الدالة على القدرة والقيمة وفهم أسرار الوجود بالعلم ولا شيء سواه، وبالإعجاز ولا شيء غير القدرة على صناعة المعجزات.

هنا كانت الإشارة والتلميح والتصريح حين كان الإنسان يعيش في أكواخ وكهوف تحت الأرض، وغابات بين واحات العطش، وبراري الأحراش، وصحارى ووديان مستحيلة.

هكذا كان الإنسان المصري العظيم، وهو بكل تجرد وتواضع أول الكائنات التي تعاملت مع التوحيد على أنه دين وعقيدة ورسالة سامية، ومع النجوم على أنها علم من علوم الفلك الذي علينا معرفته، وسيدٌ من أسياد الخلق الفني والابتكار المعنوي. ليخرج مسرح عروس النيل في حدثٍ إنساني فريد، عنوانه إعادة الحياة للنهر حتى يفيض، وإخراج الخير من العدم حتى يعمّ. لقد جاء المتحف المصري الكبير في وقت يشهد فيه العالم تراجعًا في كل شيء، رغم انتفاضة البشرية في مواجهة الأمراض والأوبئة والجوائح، تمامًا كما يشهد العالم حروبًا وصراعات على كل شيء تقريبًا، حتى على المواد المعدنية النادرة، ومصادر الطاقة الناضبة، ومراكز الثقل الروحانية العتيدة، بل وعلى الاعتقاد والفكر وتقاسم منتجات الحضارة الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي، وذلك القادم من تحت آباط الزمن القديم، والآخر المدجّج بالتاريخ والجغرافيا، رغم أن فوق كل ذي علمٍ عليم.

إنه المتحف العظيم للإنسان العظيم، هدية مصر للعالم أجمع — حتى لأولئك المشككين والطامعين. هو ما دفعني للقراءة للحدث لا عنه، وللخطابة في الجموع من أجلهم ولهم. وقد وفّقني الله في أن أعثر وسط هذا الزخم الإنساني الهائل على قصاصة إلكترونية لأحد سفرائنا في الخارج، وهو يوجّه رسالة للعالم أجمع بمناسبة الافتتاح: أهلاً بكم في مصر.

لن نقول لكم إن متحفنا هو أكبر متحف في العالم، إذ ربما تُقدم إحدى الدول المجاورة على بناء متحف أكبر مساحةً وإمكاناتٍ. لن نقول لكم إنه أشهر متحف في العالم، فهناك بالفعل متاحف أخرى عريقة في بلادنا وبلادكم.

لن نقول لكم إنه الأقدم، فلدينا ولدَيكم من المتاحف العريقة ما تتوق إليه النفوس وتسعد به القلوب وتطمئن له السرائر. لكننا نقول لكم بكل يقين: متحفنا هذا هو أشرف متحف في العالم، إذ لا توجد به قطعة واحدة مسروقة من دولة أخرى، أو مشتراة بالخديعة من تاجرٍ مارق. كل القطع مصرية من أرض مصر. لذلك… أهلًا بكم في هذا المكان الطاهر.

اهلا بكم في مصر.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .