منذ الأندلس، ومنذ قرطبة وغرناطة، وبعد انهيار الدولة الإسلامية في أسبانيا ، لم يعد التدوين والتوثيق وصناعة الأرشفة وجود ، ومثلما يقال: فعلتها بنفسها براقش، لن نبالغ في تحميل علماء المسلمين مسئولية انهيار الجدار العلمي الحصين ذلك أن التتار قد لعبوا دورًا تدميريًا عندما احرقوا مكتبة بغداد، وحولوا مياه نهر دجلة إلى لون الحبر الداكن ، فضاعت ملايين المؤلفات والبحوث والمراجع والمخطوطات الإسلامية النادرة ، منذ ذلك الحين اختفت المبادرات التي تحبي تراثنا ، وتؤرخ لبحوثنا ، وتحفظ ابتكاراتنا واجتهادات علمائنا ، حتي خرجت علينا الأنباء قبل أيام قلائل حاملة مبادرة استباقية من فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، بإنشاء متحف علمي لحفظ بحوث ومنجزات وفتاوى علماء المسلمين بحيث يكون هذا المتحف العالمي قبلة لكل منشدي العلم، وحاضنة لكل من يمتلك بحثا متميزًا ، وتجربة يتحقق من خيالها إعادة تجسيد التراث وإخراجه في صورة عصرية بديعة ، هذا المتحف العلمي في حال انجازه فإنه سوف يشجع على البحث العلمي، ويساعد على الالتزام بكل ما يصب في تعميق وعي الأمة والارتقاء بادراكها النوعي ، وجمع كل ما يتم العثور عليه من الضياع وكل ما يرتبط به من نتائج فاعلة ، وكل ما يتم ادخاره بعيدًا عن عيون الخطافين تمهيدًا لدفنه، واستلهاما لإثاره الغامضة، واستنتاجًا لبقاياه الرابضة ، ربما يتقول عليه أحد مشوهًا صورتنا الوطنية وضاربًا عرض الحائط بثوابتنا العربية وهويتنا الاسلامية وعاداتنا وتقاليدنا عبر الأزمنة والحقب والعصور .
لقد كان ومازال فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر على رأس المدافعين عن التراث، لم يقبل العدوان الفكري عليه من رواد العصرنة والحداثة حيث واجههم مرارًا وتكرارًا قائلًا : لا تتقولوا علي التراث أرجوهم بل اسألوا أنفسكم: أين نحن الآن من التراث ، ذلك التراث الإسلامي الذي جاء بالخوارزمي وابن سينا والفارابي وجابر بن حيان والحسن ابن الهيثم والمندي وابن رشد وغيرهم من أباطرة العلوم والفنون والآداب، ومن علماء الطب والفلك والصيدلة والدواء والصناعات العسكرية والفلسفة والمنطق والأدب ؟ أين نحن الآن أيها السادة من هذا التراث ، من هذا التاريخ الذي يجب البناء عليه ، وليس انتقاده أو محاكمته أو العدوان عليه، ثم يستطرد الإمام الأكبر قائلًا ، قولوا لنا أيها السادة أننا رغم التكنولوجيا المعاصرة والتي نتشدق بها لم نستطع أن نصنع " كاوتش " عجلة سيارة ، ولا أن نساهم في الثورة الرقمية باختراع ينسب باي من علمائنا ، هذا ليس معناه أن أمتنا عاجزة ، وليس معناه أننا افتقدنا للعلماء والمفكرين والعباقرة والمخترعين ، لكن لأن تفكيرنا توقف عند ما تسمي الندية لما تحقق في الماضي ، وغياب الإرادة الوطنية التي تقود إلى بحث علمي يحقق نتائج عظيمة على مجتماعاتنا الإسلامية ، ربما يكون من بين علمائنا ما توصل بالفعل إلى نتائج بحثية فارقة لعلاج مشكلة علمية ما تؤرق مخادعنا ، وتؤلم بني جلدتنا وتعوق اقتصادنا ، لذلك جاء هذا المتحف العلمي باقتراح يلاقي تجاوبًا كبيرًا من علماء المسلمين ومفكريهم البازغين ، ورواد حركة التنوير في عصرنا الحديث ، متحف للحفظ المركزي للتراث ، للبناء عليه وليس للنيل منه .
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |