يقولون ان الزمن الجميل لم يكن أكثر جمالًا مما نحن فيه الآن، يظلمون الماضي والتاريخ ويتهمون ذاكرتنا بالزهايمر وخيالنا الخصب بالنضوب، وأحلامنا في حياة أفضل بالوهم الكبير وبئس المصير.
رغم هذه الاتهامات إلا أن الزمن الجميل سيظل جميلًا، عشناه أو تقبلناه أو تعايشنا معه أو تذكرناه ، إنها الستينيات والسبعينيات وربما الثمانينات، صحافتنا العربية التي كانت تعيش أجمل أيامها وأوج مجدها، في التأثير والتنوير، في التفكير والتدبير، كانت الأسماء ملء السمع والبصر وكانت المنافسة المهنية علي أشدها، بين مدرستي الأهرام والأخبار، وبين روز اليوسف وصباح الخير ودار الهلال، كان الشعب كله حتى الذين يجهلون القراءة والكتابة ينتظرون مقال محمد حسنين هيكل " بصراحة " صبيحة كل يوم جمعة ، تمامًا مثلما ينتظرون مقال مصطفي أمين " فكرة " في صحيفة أخبار اليوم، ثم يوميات أحمد بهاء الدين في الصفحة الأخيرة بالأهرام.
وفي المقابل مقال مرافق للصحافي المدهش أنيس منصور، ونص كلمة لـ أحمد رجب، ناهيك عن كاريكاتير رخا، وصلاح جاهين وبهجت عثمان وحجازي وجمعة فرحات وبهجت عثمان والأخوين حسن ومحمد حاكم ومصطفى حسين، وغيرهم ممن ملاؤوا حياتنا إبداعًا وشكلوا أذواقنا وطريقة معيشتنا ووسائل وآليات تفكيرنا وسلوكياتنا، كانت الصحافة تجربة حياة، وكنا نعيش الحياة بكل أشكال صحفنا ومجلاتنا وطريقة حياة كاتبنا المفضل.
لماذا اختفي كل ذلك ؟ لماذا توارت صحافتنا عن الأنظار ؟ وأصبح تأثيرها معدومًا ورموزها مزيفة وأفلامها مسطحة والقضايا التي تثيرها لا وجود لها ؟ هل انتهي الصحافي المثقف ليحل مكانه الصحافي الموظف؟ هل هي السوشيال ميديا بأخطائها وأضغاث خزعبلاتها، ونوايا أصحابها التي لم تعد حسنة بكل تأكيد ؟! هل هي آفة البحث عن ترند ببث الأكاذيب والبحث عن الفضائح والأخبار المشوشة عن الجرائم والمحرمات والمهازل والفساد وتصيد الأخطاء، والابتعاد تمامًا عن الصحافة الموضوعية التي تهم قضايا الناس وطريقة حياتهم ومستويات معيشتهم؟ لماذا تحول الصحافي العربي من مناقشة قضايا المجتمع الثقافية، والبحث في أحواله الاجتماعية والفكرية إلى التركيز فقط عن همه الشخصي في بدل نقدي، وفي مستوي معيشي لائق رغم أن ذلك مشروعًا بكل تأكيد؟ هل انتهى الصحافي الذي ينتظره الناس إلى الصحافي الذي ينتظر الناس ؟ هل العيب في التقدم العلمي الرهيب الذي جاء بكل ماهو إليكتروني ليحل مكان كل ماهو إنسان ؟
ربما لكن الحقيقة كما نراها كجيل عاش الصحافة وتابعها وهي في أجمل أيامها ثم عاش وعاصر الصحافة وهي تعيش اليوم أصعب مراحلها وضياع أحلامها ؟ الحقيقة أننا نفتقد إلى صحافة المشروع، المشروع المهني ومن قبله المشروع الوطني، المشروع المهني الذي يحدد الأولويات، ويصيغ دستورًا ملزمًا لجميع الممارسين للمهنة بأن يحترموا هذه المهنة، بأن يقتنعوا بأنها فعلًا مهنة المتاعب وليست مجرد البحث عنها، وأنها بجد سلطة رابعة وصاحبة جلالة، مشروع وطني يضع في اعتباره أن تنوير المجتمع هو رسالة أصلية من رسائل الصحافي، وأن قيادته للحقائق وليس للشائعات والأكاذيب و ما هي إلا مرحلة استثنائية غير مأسوف عليها وينبغي كنس آثارها من حياتنا، وإزالة أبطالها من فوق ترويسات الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية المشبوهة.
هذا إذا أردنا مجتمعًا نظيفًا من التشويهً، شجاعا في مواجهة مشكلاته، عفيفًا خفيفًا بإعلامييه وصحافييه علي قلوب القراء والمستمعين والمشاهدين ، والله على كل شيءٍ قدير.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |