"إن لم يكن الله موجودًا فكل شيء مباح"، هكذا تعلمنا في المهد، وهكذا قالوها النبلاء لنا بوضوح، "راع الله في الناس، ستراعيك الناس في أعز ما لديك"، ولكن لو غاب الوازع الديني، واختفت القدوة من حياتنا، وتم هدم الضمير الإنساني في سلوكياتنا فليس غريبًا أن تنتشر الوحوش الآدمية في مدارسنا لترعى فيها بحثًا عن فرائسها، وطالما أن المنظومة المجتمعية والمؤسسات التعليمية والدينية وتلك المرتبطة بتربية النشئ في البيت والمدرسة والنادي والمجتمع غير يقظة، فليس غريبًا أن نسمع بين الحين والآخر عن حادث هتك عرض داخل الحرم المدرسي أو الجامعي، أو حتى في "ميكرو باص" أو "تيك توك" أو في عرض الطريق.
المدهش حقًا والمفزع والمحزن أن حوادث هتك أعراض الأطفال في المدارس ومختلف دور التعليم أصبح يمثل ظاهرة، وليست أحداثًا متباعدة من ذئاب منفردة، وبدا الأمر وكأنه اتفاقًا بين قوى الشر على قوى الخير، انتصارًا لوحشية الغاب على أمن وسلامة ومستقبل المجتمع.
يقولون: إنه التفاوت الاجتماعي والثقافي بين شرائح المواطنين، الأزمات الاقتصادية التي نتج عنها أزمات أخلاقية، تأخر سن الزواج واستحالته أحيانًا بين جموع الشباب، لكنني أقول إنه ليس سنًا متأخرًا للزواج في المجتمع المؤمن، في الواقع المرتبط عقائديًا واجتماعيًا بعادات إيجابية تربى عليها، الخلل كما يبدو من البيت حتى مفردات المجتمع وتفاصيله الصغيرة، غياب الأب والأم في ساعات طويلة خارج البيت، انشغال الفضائيات وأجهزة الإعلام بلقمة العيش والكسب الذي يبدو على السطح مشروعًا بحثًا عن "ترند" أو عن زيادة مشاهدة وإغفال الجوانب التربوية في البرامج والدراما التلفزيونية والسينما الخاصة التجارية.
من هنا كانت اليقظة، ومن هذا المنطلق كان صوت الأزهر الشريف صاحب التقاليد الوطنية، والتعاليم الدينية، والتاريخ النضالي الطويل سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا، حتى أصبح منبرًا رائدًا في قيادة حركة التنوير في المجتمع، ومراكز تصويب الأفكار في المدينة والقرية والنجع والساحل البعيد، والأعمق منه في براري الحقول وصعيد الصعيد.
الأزهر الشريف يبدأ حملته الوطنية في هذا المضمار ببيان وموقف وشعار ودور رائد، فالأزهر يحث الهيئات التشريعية بالنظر في تغليظ عقوبة التحرش بالأطفال إلى عقوبة أقصى بحيث تسهم في القضاء على هذه الجريمة، الأزهر الشريف ينبري في موقفه ويتمادى فيه بحيث يعلن متابعته الحثيثة، منوهًا بأن هذا التحرش الخسيس وهتك العرض الإجرامي الدنيء للأطفال إنما هي جرائم تحرمها جميع الأديان والشرائع، ذلك أن ما يحدث في هذا المجال إنما هو جريمة مكتملة الأركان وليس فقط مجرد خطأ شنيع يتعلق بالضحايا وعائلاتهم، بل أنها جريمة في حق المجتمع بأكمله بسبب ما تشيعه من رعب وخوف في مشاعر العائلات الآمنة، وأذى جسدي ونفسي ضد الفطرة الإنسانية السليمة التي فطر الله الناس عليها من حب الأطفال والحنو بهم وحمايتهم وصون كرامتهم.
وهنا طالَب الأزهر الشريف الهيئات التشريعية بالنظر في تغليظ العقوبات الخاصة بهذا الأمر الشنيع بعد أن تحول الأمر إلى ظاهرة، وإلى حالات لا يمكن السكوت عليها، ولا غض الطرف عنها.
صوت الأزهر كان مدويًا وسيظل، وصوت أجهزتنا الإعلامية المشغولة برواتب لاعبي كرة القدم، والخلافات حول إذا ما كان هدف الفريق الفلاني أو المنافس العلاني صحيحًا أم من تسلل واضح. الإعلام لابد وأن يلعب دوره الوطني والإنساني ليس كناقل للأخبار أو مفجر للقضايا، إنما كموجه مباشر للمجتمع بكل فصائله وشرائحه ومؤسساته الرقابية والتشريعية، وتلك المسؤولة عن الثقافة العامة، وأية ثقافة.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |