العدد 6444
السبت 06 يونيو 2026
زوجات لم يُمنحن فرصة للحياة
الإثنين 15 ديسمبر 2025

لم يمر سوى أسبوع حتى نسمع عن جريمة قتل غامضة لسيدة في مقتبل العمر، وللتو بدأت حياتها الزوجية في عش الغرام "السعيد"، لا نكاد ننسى جريمة حتى تلاحقنا جرائم أخرى أبشع والهدف واحد، زوجة في مقتبل العمر تموت ركلاً وضربًا وسحقًا وسحلاً تحت أقدام زوج لا يرحم، أو شريك حياة لا يراعي الله في زوجته، ولا يرفق بالقوارير مثلما يحثنا رسول الله الكريم محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام.

من المنوفية حتى الدقهلية، فإلى القاهرة، فالصعيد، فالاسكندرية، إلى جميع محافظات وقرى مصر يشتد العنف ويتكرر العدوان، وفي كل مرة تخرج التحقيقات بنتائج لا تغني ولا تسمن من جوع، لا هي تعيد الحياة لمن ماتوا، ولا هي تنجي الزوجة القادمة من الضرب والتعنيف حتى الموت.

هكذا يعتقد "البعض" أن "ضرب" المرأة تأديب وتهذيب، استنادًا إلى نص قرآني يحتاج إلى تفسير دقيق – "واضربهن"، لكن وللأسف الشديد صمت رجال الدين، ولم تنبرِ المؤسسات الدينية والإعلامية لتنصح أو توضح أو تفسر النص، والغريب أنه بعد كل جريمة تقوم الدنيا ولا تقعد، تتسابق البرامج على عرض المشهد الكارثي بإعادة بثه مرات ومرات بحثًا عن "ترند"، والأكثر كارثية أنه بعد أن يسكت الصراخ وتجف الدموع، ويعود الجميع من المقابر بعد دفن الضحية، ننسى ما حدث للمسكينة المُعتدى عليها، فتعود برامج التلفزيون وهلاوس المواقع الإلكترونية وخزعبلات الصفحات الرقمية المارقة إلى سابق عهدنا بها، صورًا فاضحة، أخبارًا كاذبة، تحليلات تحريضية، ومقالات لا ترتقي إلى مستوى النشر، والنتيجة .. جريمة أخرى بعد أيام أو أسابيع من الجريمة السابقة، لزوجة مسكينة مشكلتها أنها رضخت للضرب والإهانة، وكارثيتها أنها لا تصارح أهلها بالعنف الذي تعيشه من زوجها ربما من أول يوم في "عش الزوجية".


ما زالت المنظومة التشريعية بحاجة إلى مزيد من التطوير، في وقت ينشغل فيه المشهد العام بقضايا متعددة ومتداخلة، وهو ما ينعكس على وتيرة الإصلاح المجتمعي والتوعوي، فلا تتقدم التشريعات بالقدر المأمول، ولا يحظى الخطاب المجتمعي المناهض للعنف ضد المرأة بالقدر الكافي من التوجيه والإرشاد المستمر.

وغالبًا ما يقتصر التعامل مع كل واقعة على موجة من التفاعل الإعلامي المؤقت، تعقبها إجراءات قانونية لا تحظى بالوضوح الكافي لدى الرأي العام، ثم سرعان ما تخفت الأصوات وتعود الأوضاع إلى سابق حالها، ليبقى الانشغال العام متجددًا، وتظل القضايا الجوهرية في حاجة إلى معالجة أعمق وأكثر استدامة.


أما ما لفت انتباهي في واقعة قتل عروس المنوفية التي لم يمر على زواجها أكثر من شهور قلائل، أن الفضائيات حتى اللحظة لم تسكت، مازالت تتعاطى مع الحدث الكارثي على أنه ظاهرة، بل وآفة لابد من اجتثاثها من المجتمع المتراجع قيميًا وأخلاقيًا ودينيًا.

اللافت في النظر أن الأزهر الشريف قد أصدر بيانًا يشجب فيه قتل الزوجات، وضربهن، وتعذيبهن، ويحث في الوقت نفسه المجتمع لكي يتصدى لتلك الظاهرة الدخيلة علينا بالنصح والإرشاد والفتوى، بالتفسير والتحليل والتوجيه للمجتمع، ثم بالخروج إلى الناس جميعًا لتوضيح ما يمكن توضيحه بشأن الآية الكريمة "واضربهن".

هذا ما ننتظره دائمًا من أزهرنا الشريف ودار الإفتاء، ليس في مساندة قضايا الوطن والأمة فحسب، إنما في دعم المرأة وتمكينها، لا لشيء إلا لكي تلعب دورها التاريخي في صون الأسرة، وتربية النشئ، والوقوف جنبًا إلى جنب مع الرجل في ساحات  المعارك الحياتية اليومية، وفي ميادين العمل والإنتاج والإبداع، هذه هي المرأة المصرية منذ هدى شعراوي حتى أمينة السعيد وعائشة عبدالرحمن "بنت الشاطئ"، ومفيدة عبدالرحمن ولطيفة الزيات، وسميرة موسى وغيرهن الكثيرات ممن ملأن الدنيا إبداعًا وإنتاجًا وقيمًا وعطاءً، وصولاً إلى عصرنا هذا الذي أُهينت فيه المرأة وتم تنحيتها عن دورها الأساسي، اللهم قد بلغت .. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

بقلم: نعمات مدحت

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .