العدد 6445
الأحد 07 يونيو 2026
العنف الأسري جريمة صامتة بعواقب تصرخ مدى الحياة
الثلاثاء 15 يوليو 2025

العنف الأسري ليس مجرد سلوك عدواني لحظي، بل هو خلل في القيم واهتزاز في المعاني التي بُنيت عليها الأسرة؛ مؤسسة الرحمة والسكن والمودة. هو جريمة تنشأ في الظل، في البيوت التي يُفترض أنها أماكن الطمأنينة، ويحدث غالبًا خلف الأبواب المغلقة حيث لا شهود إلا القلوب المكسورة والأنفس المنهكة. ورغم صمته الظاهري، إلا أن عواقبه لا تصمت، بل تصرخ في حياة الضحايا إلى الأبد.

من منظور الشريعة الإسلامية، لا يوجد أي تبرير شرعي حقيقي للعنف داخل الأسرة. الإسلام جاء ليؤسس بُنية أسرية تقوم على العدل والرحمة، فأمر الله تعالى الرجال بمعاشرة النساء بالمعروف، ونهى النبي محمد ﷺ عن ضرب النساء أو إذلالهن، بل قالها صريحة: “خيركم خيركم لأهله”. وهذا يشمل الزوجة والأبناء وحتى الوالدين. وقد بالغت الشريعة في التحذير من الظلم، واعتبرته ظلمات يوم القيامة، فكيف إذا وقع هذا الظلم على من وُكلت إلينا رعايتهم؟ الإسلام يرفض أن تكون القوامة ذريعة للسيطرة أو الإيذاء، بل يؤسسها على أساس الرعاية والرحمة والعدل.

أما في الإطار القانوني، فقد أدركت مملكة البحرين خطر هذا النوع من العنف، فسنت المرسوم بقانون رقم (17) لسنة 2015 بشأن الحماية من العنف الأسري، والذي عرّف العنف الأسري تعريفًا واضحًا لا لبس فيه، واعتبره كل فعل أو امتناع يسبب أذى جسديًا أو نفسيًا أو جنسيًا أو اقتصاديًا لأحد أفراد الأسرة. وقد وضع هذا القانون آليات للحماية تبدأ من التبليغ، مرورًا بتدخل النيابة العامة والجهات الأمنية، وصولًا إلى إصدار أوامر الحماية التي تمنع المعتدي من الاقتراب من الضحية. كما أتاح للضحايا اللجوء إلى مراكز الإيواء، ونص على عقوبات تتفاوت حسب طبيعة الضرر الواقع. وهذا يعكس تحولًا مهمًا في النظرة القانونية إلى العنف الأسري، باعتباره ليس خلافًا عائليًا خاصًا، بل شأنًا عامًا يمس الصحة النفسية والاجتماعية للمجتمع كله.

لكن القانون وحده لا يكفي، ما لم يُصاحبه تغيير في الوعي الجمعي والعرف الاجتماعي. لا تزال بعض المجتمعات ترى أن العنف داخل الأسرة شأن داخلي لا يجوز التدخل فيه، أو أنه من “حقوق الرجل”، أو أنه وسيلة للتربية والتأديب. وتُلام الضحية أحيانًا على سكوتها، وأحيانًا على بلاغها، فتجد نفسها محاصرة بالصمت من كل الجهات. وهذا الصمت هو ما يسمح للعنف أن يتغلغل ويتجذر. المجتمع الذي يغض الطرف عن العنف الأسري هو مجتمع يُعيد إنتاج الألم جيلاً بعد جيل، لأن الطفل الذي يرى العنف اليوم قد يُمارسه غدًا، والزوجة التي سُحقت بالأذى قد تربي أبناءها على الخوف والكتمان.

لا بد من إعادة بناء مفهوم “الستر” في ثقافتنا، فالستر لا يعني السكوت عن الجريمة، ولا يعني إخفاء الألم تحت اسم العائلة. الستر الحقيقي هو الوقاية، والحماية، والتصحيح، وليس التستر على الخطأ. ومثلما يحمي القانون الحقوق في المحاكم، فإن الأسرة يجب أن تحمي مشاعر أفرادها، وكرامتهم، وأمانهم النفسي.

إن العنف الأسري لا يُختزل في ضربة أو إهانة، بل في شرخ طويل الأمد في الروح. هو فقدان للإحساس بالأمان في المكان الوحيد الذي يجب أن يُشعرنا بالدفء. هو تآكل بطيء للثقة بالنفس، وتدمير لهوية الفرد، وغالبًا ما يمتد أثره إلى العلاقات، والصحة النفسية، وحتى القدرة على الإنجاز.

إننا بحاجة إلى وقفة صادقة، تجمع بين وعي ديني حقيقي، وتشريع قانوني حازم، وتحول اجتماعي جذري. لا يجوز أن نبقى على الهامش، نكتفي بالتعاطف الخافت، بينما هناك من يصرخون في الداخل بلا صوت. العنف الأسري ليس شأنًا خاصًا، بل خطر عام. وإذا كان لا يُسمع صوته أحيانًا، فإن آثاره هي التي تصرخ في كل مكان، مدى الحياة

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية