Troy.. عندما يتفوق غبار المعارك على وهج الأوسكار وسقطات الرومانسية
أعادتني مشاهدة فيلم Troy إلى ساحة المعركة مذهولاً بالكامل، وكأنني أكتشفه للمرة الأولى. إن الضخامة البصرية، والعمق السردي، والأهمية الطاغية لكل كادر سينمائي صاغه المخرج وولفغانغ بيترسن، إلى جانب الأداء التمثيلي الاستثنائي لطاقم العمل بأكمله مع استثناء وحيد لـ أورلاندو بلوم الذي تمنيت لو يُحذف تماماً من شريط الفيلم، كل هذا جعلني أقف عاجزاً عن التعبير. لقد مرت سنوات طويلة منذ زيارتي الأخيرة لهذا الأثر السينمائي، وجاءت هذه العودة مدفوعة بالرغبة في استكشاف القصة التي تسبق رحلة أوديسيوس، خاصة ونحن على أعتاب أسبوع واحد فقط من استقبال فيلم "الأوديسة" للمخرج كريستوفر نولان في دور العرض. يا إلهي، كم هو عمل عظيم! في الواقع، يبدو لي النقد اللاذع الذي واجهه الفيلم عند عرضه الأول عام 2004 أمراً غير مفهوم على الإطلاق!
إن أحد الأسرار الجوهرية وراء النجاح الأسطوري لفيلم "غلادييتور" وهو السر ذاته الذي تسبب في السقوط المدوّي لجزئه الثاني، يكمن في قدرة السينما على ترسيخ هيبة القائد في وجدان المشاهد منذ المشهد الافتتاحي؛ حيث تدفعك الدقائق العشر الأولى إلى تصديق أن كل جندي في تلك الساحة مستعد لاختراق الجدران والموت من أجل "ماكسيموس". هذا التميز البنائي هو عينه ما حققه فيلم "طروادة" في ربعه الأول. فخلال الخمس عشرة دقيقة الأولى التي تحبس الأنفاس، يطيح أخيل (براد بيت) بالعملاق "بواغريوس" لصالح الملك أجاممنون (براين كوكس). بضربة رمح واحدة خاطفة، يحسم الفيلم المكانة الأسطورية لأخيل، ليقنعك تماماً من تلك اللحظة فصاعداً بأنه رجل قادر على صنع المعجزات وسحق أي عقبة تقف في طريقه.
تنطلق فلسفة العمل من مقولة إن "الأعداء تصنعهم الحروب". ومن الواضح أن ملحمتي "الإلياذة" و"الأوديسة" لهما دلالات وتأويلات تختلف باختلاف قرائهما عبر العصور. لكن عند إعادة قراءتي لفيلم "طروادة"، وجدت أن الدرس الأبرز يتلخص في أن العظمة لا تنبع إلا من مواجهة الصراعات وجهاً لوجه؛ فلا يمكن للمرء أن يهرب من المعركة أو يتملص من الحروب ثم يتوقع أن يخلد التاريخ ذكره. "لهذا السبب لن يتذكر أحد اسمك"، هكذا يوبخ أخيل صبياً صغيراً بتهكم، مرسخاً الفكرة القائلة بأن الرجل لا تكتمل رجولته إلا باقتحام العقبات التي تعترض طريقه. وعلى الجانب الآخر من هذه العملة، نرى الأمير باريس (أورلاندو بلوم) الذي يفر من المواجهة، فلا ينال احترام أحد، بل يدخل التاريخ فقط كوصمة عار جلبت الدمار لمدينته.
لا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من شروخ الرؤية الإخراجية لـ وولفغانغ بيترسن، الذي نجح ببراعة في تجسيد ضخامة الفيلم وقسوة العنف فيه على حد سواء. لقد أعجبني جداً وفاؤه للنص الأصلي وعدم تردده في إظهار وحشية أخيل أو دموية الحرب التي دارت رحاها حول طروادة. ومع ذلك، لا يخلو الفيلم من عثرات واضحة؛ إذ أرى أن المشاهد الرومانسية أبطأت من إيقاع الفيلم بشكل ملحوظ، وحرمته من الوصول إلى ذروة إمكاناته الإبداعية الكاملة. كما أن أداء أورلاندو بلوم كان سيئاً لدرجة أنه كان ينتزعني من حالة الاندماج بالفيلم في كل مرة يظهر فيها على الشاشة، ويصبح الأمر أكثر فجاجة عندما يتقاسم المشاهد مع العملاق بيتر أوتول، الذي قدم أداءً كلاسيكياً تعبيرياً مذهلاً يجعل من حضور بلوم باهتاً وغير متسق مع هذه الهامة الفنية.
وفي الختام، لا بد من وقفة إنصاف لقطبي الفيلم: براد بيت وإيريك بانا في دور هيكتور. ولطالما تساءلت ما الذي حدث ليمنع هذا الرجل من تقديم أفلام قوية بعد حقبة الألفينيات؟ إنه يتألق بشكل مذهل في هذا الفيلم ويقف بندية تامة أمام نجومية براد بيت، مما يترك شعوراً بأن هناك كوناً موازياً حظي فيه بانا بمسيرة مهنية أكثر إنصافاً وعطاءً. أما براد بيت، فإن أداءه يدهشني أكثر مع كل إعادة مشاهدة؛ إذ تشكل بنيته الجسدية وحركته عنصراً جوهرياً في تقديم شخصية تحمل في طياتها نواة قوية للتكفير عن الذنوب والخلاص. لقد قدم بيت أداءً لم أكن أظن أنه قادر على تجسيده بالنظر إلى الحقبة التاريخية التي تدور فيها الأحداث، ولعل السينما لم تكن لتجد ثنائياً يقود هذا العمل أفضل من بيت وبانا معاً.
لقد ضاعفت إعادة مشاهدة "طروادة" من حماسي وترقبي لفيلم "الأوديسة" نهاية الأسبوع، وإذا كان فيلم نولان القادم بنصف جودة هذا العمل، فإننا بلا شك على موعد مع وجبة سينمائية فاخرة.
