حضارة المُضَايَفَة قبل الإسلام: بواكير السياحة العربية حق الاستجارة، الخاوة، السقاية
في زمن الجاهلية، لم تكن المضايفة مجرّد تقديم طعام وشراب، بل كانت تحمل دلالات لغوية وثقافية أوسع، تشمل توفير المسكن، وحُسن الجوار، وضمان أمن الضيف طوال مدة إقامته (محمد، ف.، (2024 ، (نعناع، 1994). وقد كانت المُضَايَفَة تُمنح للزائر أو المسافر كحقٍّ واجب، يتضمّن إيواء الضيف ومجالسته من قِبل المضيف، ولذلك سُمّيت مُضَايَفَة (من ضيف ومضيف). وهي تقتضي أيضًا تأمين سلامة الضيف من أي خطر خلال فترة إقامته. (علي، ج.، . (2001
تستمر هذه الضيافة عادةً لمدة ثلاثة أيام كاملة، وهي مدة زمنية محددة اعتُبرت كافية لتلبية احتياجات الضيف وضمان حمايته، دون أن تشكّل عبئًا أو تُعدّ استغلالًا لصاحب الضيافة. ومن خلال هذه الممارسات، جسّد العرب في الجاهلية نظامًا اجتماعيًّا متكاملًا، يعكس القيم الإنسانية الأصيلة المرتبطة بالكرم، والاحترام، وحفظ الأمان، وهو ما تجلّى بوضوح في الأدب والشعر الجاهلي (حسين، 2015). (الخطيب، م. ، 2008). ففي شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، كان من الشائع أن يُكرم الضيف دون سؤال أو شروط، وتحديدًا أن يخفر لمدة ثلاثة أيام (علي، ج.، . (2001 وقد تجسدت هذه القيم في الشعر الجاهلي، كما في قول حاتم الطائي (الأبشيهي، 1999):
إذا أتيت كريمًا فابقَ عندهُ
ثلاث ليالٍ فإنّه لا يُملُّ
وقد أُشير إلى هذه العادة في العديد من النصوص الأدبية والشفهية، مما يدل على تجذرها في الضمير الجمعي العربي
وكما في قول لبيد بن ربيعة:
وغداة ريحٍ قد كشفت وقَرّبت
قصواءَ من فلق الصباحِ المذهَبِ
ناديتُ قومي للفناءِ فدارهُم
ضيفٌ أتانا من مكانٍ مُغيّبِ
هنا يُبرز لبيد دور القبيلة (ديوان العرب، 2006) في استقبال الضيف بنداء جماعي يدعو الجميع للمشاركة في إكرامه (الفجاوي، 2014).
ورد في الكثير من الأمثال والقصص الشفهية أن العربي لا يسأل ضيفه عن اسمه أو حاجته حتى تمر ثلاثة أيام (علي، ج.، . 2001) ، ثم يُخيّر الضيف بين البقاء أو الرحيل. هذا التقليد سُمي لاحقًا في الأدب الإسلامي بـ “حق الضيافة لثلاثة أيام”، وأكّدته السنة النبوية كما في الحديث الصحيح:
“الضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة” – رواه البخاري ومسلم. من أبرز الأنظمة القبلية التي أسست شكلاً بدائيًّا للحماية القانونية نظام الاستجارة، أو ما يُعرف بـ”الاستجارة” (نوارة وبلقاسم، 2021)، حيث يُمنح طالب الحماية الأمان الكامل بمجرد أن يستجير بأحد شيوخ القبيلة أو أفرادها (محمد، ف.،. 2024) ويُعتبر هذا النظام ملزمًا قبليًا لا يمكن الإخلال به، ويترتب على انتهاكه عقوبات اجتماعية صارمة القحطاني، 2020). لم يكن نظام الاستجارة مجرد عرف قبلي، بل كان نظامًا أخلاقيًّا أشبه بـ “القانون البدائي” الذي كفل الأمن للأفراد في مجتمع مفتقر إلى الدولة المركزية (محمد، ف.،.2024) وقد جسّد العرب من خلاله قيم الشجاعة والنجدة والوفاء (نعناع، 1994)، وهو ما تُرجم في الأدب والشعر، بل واستمر الإسلام في تأصيله ضمن منظومته الأخلاقية، كما في قصة أم هانئ (الدرر السنية، د.ت). إن احترام الاستجارة كان يُعد من مقاييس الشرف، والتفريط بها يعني سقوط الهيبة القبلية، مما يعكس أهميتها البالغة في البنية الاجتماعية الجاهلية (البخاري، حديث رقم 357).
“الخاوة” وهو نظام تطور في المجتمع العربي قبل الإسلام يعد أحد الأعراف القبلية التي نشأت في ظل بيئة صحراوية قاسية تتسم بانعدام الأمن العام وغياب السلطة المركزية (هرهار، 2016). وقد شكّل هذا النظام وسيلة قبلية لضمان مرور آمن للقوافل والمسافرين عبر أراضٍ تسيطر عليها قبائل معينة (بازهير، 2018). كلمة “خاوة” مأخوذة من “الخُوّة” أي الأخوّة أو الموالاة، ثم أصبحت تُستخدم للإشارة إلى مبلغ من المال أو البضائع يُقدَّم طوعًا أو كرهًا إلى زعيم قبيلة أو أفراد منها مقابل ضمان الحماية وعدم التعرض (الشراري، 2011). لم تكن الخاوة بالضرورة عملًا عدائيًا، بل كانت تُعامل في بعض السياقات على أنها اتفاق شبه قانوني أو عرفي يضمن الأمن مقابل رسوم. والخاوة جزء من نظام مراف له يسمى بالخفارة. فكل عبر يتعامل مع سمسار الطريق الذي يصاحب قوافل السفر ويسمى الخافر. والخافر هو من يتفاهم مع أسياد المنطقة فيدفع لهم مبلغ “الخاوة”. عليه فقيمة الخفارة تكون أعلى من قيمة الخاوة.
رغم ندرة ذكر مصطلح “الخاوة” حرفيًا في الشعر الجاهلي، إلا أن مضمونها حاضر في إشارات كثيرة إلى “الطُرُق الآمنة” و”حماية الحِلّ والرُحَّل” و”منع الغزو مقابل الهدية أو المال” (بازهير، 2018).
عليه، فإن نظام “الخاوة” في البيئة العربية الجاهلية وبعد الإسلام قبل تشكل الدولة، يعد صيغة بدائية للتعاقد الأمني، ووسيلة عملية لتنظيم التنقل والتجارة في بيئة يسودها التناحر القبلي. وقد ساهمت الخاوة في إرساء نوع من “السلام مقابل الدفع”، وأصبحت واحدة من الأدوات التي سمحت ببقاء خطوط التجارة نشطة، مما يدل على قدرة العرب قبل الإسلام على ابتكار حلول تنظيمية تحاكي – في جوهرها – أنظمة معاصرة كالتأمين والحماية الأمنية الخاصة (الاقتصادية، 2017المقدمة).
المُضَايَفَة والسقاية في الوجدان القرشي الديني
ولأن المُضَايَفَة طقسٌ قبليٌّ موروث، ممتدٌّ من حضارة الضيافة الجاهلية، ومقرونٌ بخصلة الكرم – أسمى الخصال الموقّرة عند العرب – فقد سنّ لها العرب أعرافًا عدُّوها من شرائع دينهم القُرشي. ومن خلال قصي بن كلاب، نشأت في قريش تقاليد المُضَايَفَة الدينية التي تمثلت في مهمتين بارزتين قادتهما قريش وبنو هاشم: السقاية والرفادة (الأزرقي، 2003؛ البغدادي، 2010).
كانت السقاية وظيفة إمداد الحجيج بالماء العذب من الآبار، وتوفير الأحواض الجلدية داخل فناء الكعبة ليشرب منها الزائرون، وأحيانًا يُضاف إلى الماء التمر أو الزبيب؛ تخفيفًا لمشاق السفر وحرّ الصحراء (الأزرقي، 2003). أما الرفادة، فكانت تهدف إلى إطعام الحجيج الفقراء من أموال قريش، الذين لم يحملوا معهم الزاد الكافي. وقد أسسها قصي بن كلاب، وتناقلها خلفاؤه، حيث كانت تُجمع أموال مسبقة في كل موسم حج، ويُعد منها الطعام لتُوزع على الضيوف، ما جعلها رافدًا اجتماعيًا يعكس روح التكافل والتنافس القبلي الشريف (البغدادي، 2010؛ الزكري القضاعي، 2022).
وقد امتد أداء هاتين المهمتين إلى فترات الجفاف، حيث تولى هاشم بن عبد مناف – في سنوات القحط – شراء الدقيق وتوزيعه، فزاد ذلك من مكانة بني هاشم ورفع من صيتهم في الجزيرة العربية (البغدادي، 2010).
يُظهر هذا النظام الرسمي للمُضَايَفَة الدينية أن مكة في الجاهلية – وما بعدها – لم تكن غربةً على الزائر، بل شكلت نسيجًا من الحماية الاجتماعية والسياسية، عبّرت فيه قريش عن مركزيتها بوصفها شريانًا إنسانيًّا وروحيًّا للعرب، تكرم الضيف وتُيسّر له سُبل الوصول إلى البيت الحرام. وهذا ما رسّخ دور مكة التاريخي في نشر ثقافة الكرم والقيم الجماعية الدينية (الزكري القضاعي، 2022؛ الأزرقي، 2003).
هذا البعدُ العربيُّ الأصيلُ يتقاطعُ بشكلٍ لافتٍ مع نظريةِ الضيافةِ عند الفيلسوفِ إيمانويل ليڤيناس (1961)، الذي يرى في الضيافةِ علاقةً أخلاقيةً أساسُها احترامُ الآخرِ والاستعدادُ لتحمّلِ المسؤوليةِ تجاهه. ويشيرُ ليڤيناس إلى أن المضيفَ يتحمّلُ عبءَ الضيافةِ الأخلاقية بوصفها فعلًا غيرَ مشروط، يستقبلُ فيه الضيفَ بغضِّ النظر عن هويته أو اختلافه (ليڤيناس،1961).
إن هذا الإرث العربي المتجذر في بنية المجتمعات الجاهلية – والذي يمكن تسميته بـ”حضارة الضيافة الجاهلية” – لا يزال يُشكّل مصدر إلهام لإعادة تأصيل مفهوم الضيافة الأخلاقية والاجتماعية في المجتمعات الحديثة. لذا، فإن توظيف هذا الإرث في بناء الهوية العربية المعاصرة كفيلٌ بصناعة جيلٍ واعٍ بقيمه، متفاعلٍ مع ثقافة السياحة الكونية، ما يعزز حضور الثقافات العربية بين أبرز الوجهات العالمية المستقبلة للزوار من مختلف أنحاء العالم.
