المنافسة لم تعد تُحسم بجمال الوجهة أو شهرتها وإنما بقدرتها على تقديم تجربة متكاملة بأفضل قيمة ممكنة
تايلند تتصدر .. والسفرات الخليجية تستعيد زخمها في صيف 2026
-
تراجع الإقبال على الوجهات الأوروبية تحت ضغط ارتفاع أسعار السفر ....وروسيا وجهة الشتاء الأولى
-
قبل عام واحد فقط كانت تركيا تتصدر قائمة الوجهات الأكثر طلبًا لدى البحرينيين
لم تعد خريطة سفر البحرينيين تُرسم على أساس شهرة الوجهات بل على أساس قيمة التجربة ففي الوقت الذي ما زالت فيه أوروبا تتصدر قوائم السفر العالمية اختار البحرينيون هذا الصيف رسم خريطتهم الخاصة تايلاند أولًا والخليج ثانيًا فيما تراجع الإقبال على الوجهات الأوروبية تحت ضغط ارتفاع أسعار السفر.
وقبل عام واحد فقط كانت تركيا تتصدر قائمة الوجهات الأكثر طلبًا لدى البحرينيين إلى جانب العمرة والرحلات الخليجية بينما حافظت روسيا على مكانتها كوجهة شتوية مفضلة أما اليوم فقد تبدلت الصورة بصورة واضحة فتايلاند أصبحت الوجهة الأولى مدعومة بتوافر رحلة مباشرة يومية من مطار البحرين إلى بانكوك فيما استعادت السفرات الخليجية القصيرة زخمها مع تنامي الإقبال على الرياض والدوحة والكويت إلى جانب جزيرة ياس في أبوظبي التي أصبحت خيارًا مفضلاً للعائلات.
هذا التحول لا يعكس تغيرًا في أذواق البحرينيين بقدر ما يكشف عن تغير في طريقة اتخاذ قرار السفر فبعد سنوات كان الاختيار يبدأ باسم الدولة أصبح يبدأ اليوم بالميزانية ثم بما يمكن أن تقدمه تلك الميزانية من تجربة متكاملة وبعبارة أخرى لم يعد السؤال: إلى أين أسافر؟ بل أصبح: أين سأحصل على أفضل قيمة مقابل ما سأدفعه؟
تايلاند… عندما تصبح القيمة أهم من اسم الوجهة
ولم تأتِ صدارة تايلاند من فراغ بل جاءت نتيجة اجتماع عدة عوامل في وقت واحد فالرحلة المباشرة اليومية من مطار البحرين اختصرت وقت السفر، بينما وفرت الوجهة الآسيوية برامج سياحية متنوعة وتكاليف معيشة أقل مقارنة بالعديد من الوجهات المنافسة وهو ما جعلها الخيار الأمثل للراغبين في قضاء عطلات تمتد إلى نحو 15 يومًا.
ويختصر صاحب مكتب سفريات حسن الصايغ هذا التحول بقوله: “اختيار البحريني للوجهة السياحية في الغالب تحكمه قيمة العرض والسعر أكثر من اسم الدولة نفسها فالمسافر يبحث عن أفضل برنامج بأقل تكلفة”.
وتعكس هذه النظرة تحولًا في سلوك المسافر البحريني الذي لم يعد يقارن بين أسعار التذاكر فقط بل بين عدد الليالي ومستوى الفنادق والأنشطة والخدمات التي سيحصل عليها مقابل المبلغ الذي سيدفعه.
الباقات المتكاملة… سلاح المنافسة الجديد
هذا التغير لم يبدل اختيارات المسافرين فحسب بل أعاد تشكيل المنافسة بين مكاتب السفر أيضًا فبدلاً من التنافس على تقديم أقل سعر لتذكرة الطيران أصبحت الشركات تتسابق لتصميم باقات سياحية متكاملة تضم تذاكر السفر والإقامة والتنقلات والبرامج السياحية إضافة إلى المساعدة في استخراج التأشيرات بما يمنح المسافر رؤية واضحة لتكلفة رحلته منذ لحظة الحجز.
وأصبحت البرامج التي تمتد بين 10 و12 يومًا وتحمل قيمة مضافة أكبر تحظى بإقبال متزايد في وقت بات فيه المسافر يبحث عن جودة التجربة أكثر من البحث عن أقل سعر.
الخليج يعود إلى المنافسة
ولم يقتصر التحول على الرحلات البعيدة بل امتد أيضًا إلى السفر داخل المنطقة فمع قصر الإجازات وازدياد الفعاليات في مدن الخليج استعادت الوجهات القريبة مكانتها لدى البحرينيين.
ويشير حسن الصايغ إلى أن الطلب على الرياض والدوحة والكويت أصبح أعلى مقارنة بالسنوات الماضية فيما برزت جزيرة ياس كأحد أبرز الخيارات للعائلات مستفيدة من الرحلات اليومية المباشرة التي سهلت الوصول إليها وجعلتها مناسبة للإجازات القصيرة ونهايات الأسبوع.
ويعكس هذا الاتجاه تغيرًا في مفهوم السفر لدى كثير من البحرينيين إذ لم تعد الرحلات الخليجية تقتصر على الزيارات العائلية أو رحلات العمل بل أصبحت خيارًا ترفيهيًّا متكاملاً لمن يرغب في قضاء عطلة قصيرة دون تكاليف مرتفعة أو ساعات سفر طويلة.
أوروبا… الضحية الأولى لارتفاع أسعار الطيران
في المقابل كانت الوجهات الأوروبية الأكثر تأثرًا هذا الموسم ليس بسبب تراجع جاذبيتها وإنما نتيجة الارتفاع الملحوظ في أسعار تذاكر الطيران.
فحين تصبح تكلفة أسبوع في إحدى المدن الأوروبية قريبة من تكلفة عطلة أطول في آسيا تشمل خدمات أكثر فإن قرار المقارنة يتحول من قرار سياحي إلى قرار اقتصادي.
ويرى الصايغ أن هذا الواقع قد يتغير إذا استقرت أسعار التذاكر أو زادت السعة التشغيلية للرحلات لافتًا إلى أن عودة تشغيل رحلات شركة “بيغاسوس” قد تعزز المنافسة وتوفر خيارات أوسع للمسافرين بما قد يسهم في استعادة جزء من الطلب على الوجهات الأوروبية.
روسيا… الاستثناء الذي لا تحكمه الأسعار
ورغم أن الأسعار أصبحت المحرك الرئيس لقرارات السفر الصيفية فإن هناك استثناءً واضحًا يظهر مع حلول فصل الشتاء.
ففي أشهر نوفمبر وديسمبر ويناير يرتفع الطلب على روسيا بصورة كبيرة حتى مع زيادة الأسعار ويعود ذلك إلى البرامج الشتوية والأجواء الثلجية التي تجذب المسافرين الباحثين عن تجربة موسمية مختلفة ما يجعل كثيرًا من المسافرين مستعدين لدفع مبالغ أكبر مقابل هذه التجربة.
وهنا تتراجع حساسية السعر لتحل محلها الرغبة في الاستمتاع بتجربة لا توفرها معظم الوجهات الأخرى.
اقتصاد السفر يكتب خريطة جديدة
تكشف مؤشرات صيف 2026 أن سوق السفر البحريني دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها الوجهة الأشهر هي صاحبة الأفضلية بل الوجهة القادرة على تحقيق أفضل توازن بين السعر وجودة التجربة وسهولة الوصول.
لذلك، فإن صعود تايلاند إلى الصدارة وانتعاش السفر الخليجي وتراجع أوروبا مؤقتًا ليست أحداثًا منفصلة بل نتائج مباشرة لتغير أولويات المسافر البحريني في ظل المتغيرات الاقتصادية التي يشهدها قطاع السفر عالميًّا.
وبينما كانت تركيا العنوان الأبرز في مواسم السفر الماضية تشير ملامح صيف 2026 إلى أن المنافسة لم تعد تُحسم بجمال الوجهة أو شهرتها وإنما بقدرتها على تقديم تجربة متكاملة بأفضل قيمة ممكنة. ويبدو أن هذه المعادلة ستظل العامل الأكثر تأثيرًا في رسم خريطة سفر البحرينيين خلال المواسم المقبلة ما لم تشهد أسعار الطيران العالمية تغيرات تعيد رسم موازين المنافسة من جديد.
