يمكن القول إن البشر يعيشون رحلتهم في الحياة كمن يركض خلف أفق هارب، يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيل المهام اليوميه، محاصرين بجمود المكاتب، وأوراقها، وشاشاتها، وجداولها. للوهلة الأولى، قد يبدو هؤلاء في انشغال أبدي لا ينقطع، فنهطل عليهم بالعتب لغيابهم، أو نقابلهم ببرود لا نقبله. لكن خلف هذه القشرة القاسية من الانشغال، تختبئ تفاصيل وأسرار تتجاوز بكثير مجرد الرغبة في نجاح عابر أو كسب مادي.
إن إفساح المجال للآخرين، تقديراً لصمتهم وغيابهم عن الأنظار، ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو أسمى مراتب النضج العاطفي. من هنا، يصبح من الضروري أن نكف عن إطلاق الأحكام المتسرعة على أولئك الذين تبتلعهم دوامة العمل. فالعابر المتعب الذي يتناسى همومه الخاصة وسط طاحونة الأيام، لا يلهث بالضرورة خلف مجد أو تصفيق، بل إنه، في عمق حقيقته، يلوذ باعتزاله الخاص.
في هذه الحالة، لا يعود العمل مجرد وظيفة، بل يتحول إلى درع حانية، وجدار يرفعه المرء ليحجب به صوتاً داخلياً يلح عليه بالقلق، أو ذكريات مؤلمة تتربص بسلامه النفسي، أو واقعاً يعجز عن تغييره في الحاضر.
قد يكون الانغماس المستمر في صخب الواجبات هو المخدّر الألطف الذي نلجأ إليه هرباً من مواجهة أنفسنا. ففي زحمة المهام وتوالي الإنجازات، يبحث المتعبون عن مرسى آمن يحميهم من السقوط في دهاليز التفكير المنهك للذات. وحين تشرق هذه الفكرة في عقولنا، تتسع نظرتنا للآخرين، فيتحول النقد إلى تعاطف، ويتبدل اللوم إلى دفء يحيط به أولئك المتوارون عن الأنظار، الذين يحبون ويفهمون دون شروط، ودون حاجة للحضور الدائم.
يحتاج كل منا إلى ركن آمن يتنفس فيه بملء رئتيه، بعيداً عن عيون الرقابة وسياط الأحكام. وهذا يعني أن من حق الناس أن يختفوا قليلاً، وأن ينشغلوا بأنفسهم دون أن نثقل كواهلهم بوزر التقصير. علينا أن نكون للآخرين ذلك المرفأ الهادئ والمجهول، مدركين أن خلف قناع رجل الأعمال المستغرق تماماً أو المرأة المثقلة بالمسئوليات قصة أخرى لا يعرفها أحد.
إن تفهّم رغبة الآخرين في الهروب هو التعبير الأسمى عن الحب والاهتمام، فالتعافي الحقيقي يبدأ حين يشعر المرء أن هناك قلباً يفهم سر ركضه، ولا يجبره على التوقف قبل أن تكتمل خطوته.