قصة جريئة تكشف أسرار العائلة والإيمان
عرض ناجح لفيلم "بذرة" البحريني في مهرجان أفلام السعودية
شهدت قاعات مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) بالظهران ليلة سينمائية استثنائية، امتزجت فيها مشاعر النجاح بالدهشة، مع العرض الأول للفيلم الروائي البحريني القصير "بذرة"، الذي يخوض منافسة قوية على جائزة أفضل فيلم قصير في الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية كونه الفيلم البحريني الوحيد المشارك هذا العام بالمهرجان السعودي.
ولم يكن الفيلم مجرد عرض سينمائي عابر، بل تحول إلى حالة من النقاش الإنساني المفتوح، لما يحمله من جرأة نادرة وتفكيك شجاع لأسرار العائلة والروابط الاجتماعية، مقدماً حكاية إنسانية بالغة الحساسية تتشابك فيها خيوط الإيمان والأسرة والزيف الاجتماعي في إطار درامي لافت.
العمل الذي خرج من رحم البيئة البحرينية، وصُوّر بالكامل على أرضها، يمثل ثمرة فكر وإخراج سلمان يوسف، وإنتاج علي الاصبعي. وقد اختار صناع العمل التوغل في منطقة شائكة نادراً ما تقترب منها الشاشة الخليجية، وهي قضية العقم وما يحيط بها من ضغوط مجتمعية ونفسية هائلة تفوق طاقة الاحتمال.
وتتحرك الأحداث بتصاعد درامي لافت حول شخصية "جاسم"، ذلك الرجل الذي يصطدم بحقيقة عجزه عن الإنجاب، ليجد نفسه محاصراً تحت وطأة ضغوط وتدخلات شرسة من والد زوجته، الرجل المتنفذ الذي لا يقبل بالهزيمة. وفي لحظة ضعف إنساني وتحت ثقل هذا الإلحاح، يقدم جاسم على خطوة صادمة تفوق التوقعات، حيث يتوجه بطلب غريب وسري إلى شقيقه الأصغر "سعيد"، ذلك الأب المتدين لأربعة أطفال، طالباً منه أن يحل محله سراً في عملية التلقيح الصناعي لزوجته "نورا". ومن هنا، تشتعل الشرارة الأولى لسلسلة من الصراعات الأخلاقية والإنسانية العميقة، التي تضع الروابط العائلية على حافة الهاوية، وتختبر حدود الضمير البشري أمام الوازع الديني والاجتماعي والنتائج بالطبع.
ولم تكن ولادة هذا المشروع السينمائي سهلة، إذ يعود أصل الفكرة إلى رحلة عودة المخرج سلمان يوسف من أحد المهرجانات السينمائية، حين شارك هواجسها الأولى مع الأستاذ الراحل والكاتب القدير فريد رمضان، لكن الظروف حالت دون خروج المشروع إلى النور في ذلك الوقت. وبعد مرور سنوات على رحيل رمضان، عاد يوسف ليتشبث بالفكرة من جديد، عاكفاً على تطويرها وإعادة كتابة السيناريو وصقله حتى وصل إلى صيغته النهائية الجاهزة للإنتاج هذا العام، ليرى النور بفضل التعاون والانسجام مع المنتج والمخرج علي الإصبعي.
وينطلق الفيلم في عمقه من روح البيئة الشعبية البحرينية، حيث تعيش الحكايات وتنتقل الأسرار همساً بين الجدران وخلف الأبواب المغلقة. وتكمن قوة العمل في قدرته على تعرية التناقض الصارخ بين تلك الصورة المثالية والنقية التي يحاول الأفراد تصديرها للمجتمع، وبين ما تخفيه حياتهم الخاصة من تعقيدات وصراعات إنسانية مريرة. وقد نجح المخرج في تقديم شخصيات بحرينية واقعية ولحمية، تفيض بالضعف والعيوب البشرية، بعيداً عن المثالية الزائفة أو النمطية المستهلكة التي اعتادت عليها الشاشات.
وقد استغرق إنتاج هذا الفيلم، الذي يمتد على مدار خمس عشرة دقيقة، جهداً مكثفاً حتى اكتمل تماماً في شهر فبراير الماضي، ليسجل التعاون السابع في مسيرة سلمان يوسف وعلي الاصبعي المشتركة. ويمثل هذا الثنائي مزيجاً سينمائياً فريداً يلتقي فيه تياران مختلفان؛ إذ يتأثر يوسف بجماليات السينما الأوروبية وعمقها الفلسفي، في حين يستند الاصبعي إلى أساليب السرد البصري والتشويق المميز للمدرسة الهوليوودية، وهو ما أثمر عن ولادة هوية بصرية وسردية خاصة جداً تميز أعمالهما المشتركة.
وقد قوبل عرض "بذرة" بإشادات واسعة وثناء كبير من الحضور والنقاد الذين استقبلوا جرأة الفيلم بكثير من التقدير، لاسيما في تناوله لموضوع بالغ الحساسية والتعقيد من منظور بحريني غارق في الأصالة. وأكد المتابعون أن الفيلم لا ينتهي بانتهاء تتابعاته الصورية، بل يترك خلفه أسئلة معلقة تستمر في عقل المشاهد وتستفز تفكيره، مما يجعله نموذجاً حياً للطموح الفني الكبير والقفزة النوعية التي تعيشها السينما البحرينية في الآونة الأخيرة.
وقد أُدرج الفيلم ضمن مجموعة مميزة من الأفلام القصيرة التي يحتضنها برنامج المهرجان، وشهد العرض الأول مساء الأحد في تمام الساعة السابعة حضوراً بحرينياً وخليجياً، وكان في مقدمة الحضور القامات الثقافية والفنية البحرينية الكبيرة، وعلى رأسهم الأديب القدير أمين صالح، إلى جانب طاقم عمل الفيلم الذين احتفوا بهذا الإنجاز وسط تفاعل لافت من الجمهور، على أن يتجدد اللقاء بالفيلم في عرضه الثاني والمنتظر مساء يوم الثلاثاء في تمام الساعة التاسعة والنصف، ليواصل "بذرة" رحلته في إثارة الأسئلة وهز القناعات في هذا المحفل السينمائي العريق.
