+A
A-

تحليل اقتصادي: “المؤسسية”.. التحدي الخفي الذي يواجه الشركات العائلية الخليجية

  • الإدارة الاحترافية تفقد قيمتها عندما تُحمَّل المسؤولية دون أن تُمنح السلطة

  • الرقمنة لا تبدأ بشراء التكنولوجيا بل بتحويل البيانات إلى أساس لصنع القرار


تمثل الشركات العائلية العمود الفقري لاقتصادات دول الخليج العربي، إذ تشكل النسبة الأكبر من منشآت القطاع الخاص وتسهم بحصة كبيرة من الناتج المحلي والتوظيف والاستثمار. وعلى مدى العقدين الماضيين، قطعت هذه الشركات شوطا مهما في تبني مفاهيم الحوكمة والإدارة الحديثة، فأنشأت مجالس إدارة، واستقطبت قيادات تنفيذية محترفة، واعتمدت دساتير عائلية، وبدأت تطبيق برامج التحول الرقمي، إلا أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه اليوم لم يعد في غياب هذه الأدوات، ولكن في قدرتها على جعلها تعمل بفعالية داخل بيئة ما زالت تتأثر بالاعتبارات العائلية التقليدية. 
وتنطلق ورقة السياسات “المؤسسية.. التحدي الخفي في الشركات العائلية الخليجية” المنشورة في  قسم “أبعاد” على الموقع الإلكتروني لصحيفة “البلاد”، من فكرة أساسية مفادها أن هذه الشركات دخلت مرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة “ما بعد التأسيس المؤسسي”، ففي هذه المرحلة تتعايش منظومتان داخل الشركة: منظومة رسمية تتمثل في المجالس والسياسات والهياكل التنظيمية، ومنظومة فعلية تقوم على العلاقات العائلية والتاريخ الشخصي ومراكز النفوذ غير المعلنة. وهنا تكمن جذور التعقيد الجديد الذي تواجهه الشركات العائلية. 
وتشير الورقة إلى أن الحوكمة تمثل أول اختبار حقيقي لهذه المرحلة، فوجود مجلس إدارة أو أعضاء مستقلين لا يعني بالضرورة انتقال السلطة الفعلية إلى المؤسسات الرسمية، ففي كثير من الحالات، تبقى القرارات الاستراتيجية الكبرى، مثل التوسع والاستثمار والتعيينات العليا، لتُحسم داخل العائلة أو عبر قنوات غير رسمية، ثم تُعرض على المجلس للتصديق فقط، ونتيجة لذلك يفقد المجلس دوره الحقيقي كمركز لصناعة القرار، ويتحول إلى واجهة تنظيمية تمنح انطباعا بالمؤسسية دون أن تمارسها فعليا.
وتحذر الورقة من أن المشكلة ليست في وجود الحوكمة أو غيابها، بل في عدم انتقال السلطة إليها بصورة كاملة، فحين لا يكون المجلس هو المكان الذي تُناقش فيه البدائل والمخاطر والفرص، تتراجع جودة القرارات وتضعف المساءلة، كما تتآكل ثقة الإدارة التنفيذية بالهياكل الرسمية، لأنها تدرك أن المرجعية الحقيقية للقرار موجودة خارجها.
أما انتقال الأجيال، فيمثل الاختبار الأكثر حساسية للشركات العائلية الخليجية، فالخلافة ليست مجرد تعيين رئيس تنفيذي جديد أو رئيس مجلس إدارة، بل هي عملية انتقال متزامن للسلطة والشرعية والمسؤولية داخل العائلة والشركة في آن واحد. وتزداد أهمية هذا الملف مع اقتراب انتقال ثروات وأصول ضخمة تقدر بتريليونات الدولارات إلى الأجيال الجديدة خلال السنوات المقبلة.
وتلفت الورقة إلى أن كثيرا من الشركات تقع في فخ “الانتقال الشكلي للسلطة”، إذ يتم منح الجيل الجديد مناصب قيادية بينما تبقى سلطة القرار الحقيقية بيد المؤسس أو الجيل السابق، ويؤدي ذلك إلى ازدواجية في القيادة، وإرباك للإدارة التنفيذية، وتأجيل عملية التحول المؤسسي الحقيقية.
كما تشير إلى أن الأجيال الجديدة تختلف في تطلعاتها وقيمها عن الأجيال المؤسسة، فهي أكثر تعليما وانفتاحا على التجارب العالمية، وأقل ميلا للنظر إلى الشركة العائلية بوصفها المسار المهني الوحيد. لذلك فإن نجاح الخلافة لم يعد يعتمد على توريث المناصب، بل على إعادة تعريف العلاقة بين الملكية والإدارة، والتمييز بين دور المالك ودور المدير.
وفي محور الإدارة الاحترافية، تؤكد الورقة أن استقطاب المديرين التنفيذيين المحترفين لا يشكل حلا تلقائيا لمشكلات الشركات العائلية، فكثير من هذه الشركات تستعين بقيادات ذات كفاءة عالية، لكنها لا تمنحها الصلاحيات الكافية لاتخاذ القرارات الجوهرية، ما يخلق فجوة بين المسؤولية والسلطة. وعندما يتحمل المدير التنفيذي مسؤولية النتائج دون أن يمتلك أدوات التأثير الحقيقية يصبح دوره محدودا وتتراجع فاعلية الإدارة الاحترافية.
كما تتحدث الورقة عن وجود ما تسميه “العقد غير المكتوب” بين العائلة والإدارة، وهو مجموعة من التوقعات الضمنية التي لا تنص عليها اللوائح الرسمية، لكنها تؤثر في سلوك المديرين وقراراتهم. وفي ظل غياب الوضوح بشأن حدود السلطة والتدخل العائلي، ترتفع معدلات دوران القيادات التنفيذية وتتراجع قدرة الشركات على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها.
وفي ملف التحول الرقمي، ترى الورقة أن التحدي لا يكمن في شراء الأنظمة أو الاستثمار في التكنولوجيا، بل في إعادة تصميم طريقة العمل واتخاذ القرار بشأن هذه الأنظمة، فكثير من الشركات نجحت في تنفيذ مشاريع رقمية مكلفة، لكنها لم تنجح في تحويل البيانات إلى أساس لصنع القرار، وبدلا من أن تكون التكنولوجيا أداة لإعادة بناء نموذج العمل، أصبحت في بعض الحالات مجرد طبقة تقنية تضاف إلى أساليب تشغيل تقليدية.
وتوضح الورقة أن الرقمنة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما تصبح البيانات جزءا من منظومة المساءلة والتقييم وصناعة القرار، وعندما يعاد تصميم العمليات والحوافز بما يضمن الاستفادة الفعلية من التقنية في رفع الكفاءة وتحقيق القيمة.
أما على صعيد الملكية والتمويل، فتؤكد الورقة أن توسع الشركات العائلية وانتقالها بين الأجيال يفرضان تحديات جديدة تتعلق بتوزيع الأرباح وإعادة الاستثمار والحفاظ على السيطرة العائلية. ومع زيادة عدد المالكين غير العاملين في الشركة، تتصاعد الضغوط للحصول على توزيعات مالية منتظمة، بينما تحتاج الإدارة إلى إعادة استثمار الأرباح لدعم النمو والتوسع. وإذا لم تُنظم هذه العلاقة بوضوح، تتحول الملكية إلى عامل يحد من قدرة الشركة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأجل. 
وتخلص الورقة إلى أن مستقبل الشركات العائلية الخليجية لن يتحدد بمدى امتلاكها لهياكل الحوكمة أو الأنظمة الحديثة، بل بقدرتها على تحويل هذه الأدوات إلى نظام مؤسسي متكامل يعمل بفعالية، فالتحدي لم يعد بناء المؤسسة، بل “مأسسة المؤسسة” نفسها، أي جعل القواعد والهياكل والثقافة التنظيمية تعمل بانسجام وتصبح المرجعية الفعلية لصنع القرار وإدارة الخلاف وتحقيق النمو المستدام. وهذه هي المهمة الحقيقية التي ستحدد قدرة الشركات العائلية الخليجية على الانتقال من النجاح العائلي إلى الاستدامة المؤسسية طويلة الأجل.


للاطلاع على نص الورقة، يرجى مراجعة قسم “أبعاد” “موضوعات وندوات” بالموقع الإلكتروني للصحيفة.