+A
A-

قطاع الطيران يخرج من الحرب محمّلًا بالخسائر.. وطريق التعافي قد تمتد لأشهر

حسام عايشكان قطاع الطيران العالمي يستهلّ عام 2026 على بياناتٍ قياسية، تجاوز عدد المسافرين المتوقَّع 5.2 مليار راكب، وأرباح صافية تقترب من 41 مليار دولار وفق ما أعلنه الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) في ديسمبر 2025، مدعومةً بانخفاض أسعار النفط وارتفاع الطلب على السفر بنسبة 4 % سنويًا في يناير وحده. 
غير أن الأشهر الأولى من 2026 كشفت أن هذا الاستقرار كان هشًّا؛ إذ تحوّل القطاع خلال أيام قليلة إلى أحد أكثر القطاعات الاقتصادية تأثرًا في العالم، بعد سلسلة إغلاقات جوية واسعة، وارتفاع غير مسبوق في كلفة وقود الطائرات، وتوقف مئات الخطوط الجوية عن العمل، وتأجيل آلاف الرحلات.
ومع إعلان انتهاء الحرب، يجد القطاع نفسه أمام مهمة شاقة: استيعاب حجم الخسائر المتراكمة، وإعادة بناء شبكات الرحلات، واستعادة ثقة المسافر وكلها تحديات لن تُحسم بين ليلة وضحاها.
وأظهرت بيانات أن الاضطراب بلغ مستويات لم يعهدها القطاع منذ جائحة كوفيد-19، مع اختفاء الطائرات من مجالات جوية حيوية، وقفزات يومية في أسعار الوقود، وتخفيض شركات كبرى لشبكاتها بنسبة 5 % إلى 10 %، وخسائر تجاوزت 3 مليارات دولار للشركات الإقليمية.
شهادة خبير: «الطيران كان الأكثر تضررًا»
قال خبير الاقتصاد الدكتور حسام عايش إن المتأثر الرئيس بهذه الحرب كان قطاع الطيران، سواء على مستوى شركات الطيران، أو النقل الجوي، أو كلف الطاقة، وبخاصة وقود الطائرات الذي ارتفعت كلفته بنسبة وصلت إلى 200 % في بعض الحالات. ومن المعروف أن كلفة الوقود تشكّل عادةً ما بين 25 % و30 % من الكلفة الإجمالية لتذاكر الطيران، وبالتالي فإن لها تأثيرًا مباشرًا في ارتفاع الأسعار.
ولفت إلى أن الإشكالية لم تكن فقط في ارتفاع الأسعار، وإنما أيضًا في اختلال سلسلة النقل الجوي بأسرها؛ إذ اضطرت كثير من شركات الطيران العالمية إلى تغيير مساراتها، أو وقف رحلاتها نحو بعض المناطق، أو رفع أسعار تذاكرها. بل أعلنت بعض الشركات إفلاسها وخرجت من السوق نهائيًّا.
وأشار عايش إلى أن شركات الطيران منخفضة التكلفة كانت من الأكثر تضررًا، سواء على صعيد محطات الوصول، أو طول الرحلات وما يترتب عليه من تكاليف إضافية، أو على صعيد مخاطر التأمين وتغيير المسارات، فضلًا عن توقف رحلات بسبب الحالة الأمنية غير المستقرة، وتشير التقديرات إلى أن الخسائر الإجمالية تجاوزت 15 مليار دولار، وفي بعض الحالات اقتربت من 20 مليار دولار. 
كما تأثرت المطارات بانخفاض حاد في أعداد المسافرين، وتراجع النشاط السياحي الذي كان قطاع الطيران يمثّل العمود الفقري له. وأشار عايش إلى أن تراجع الإيرادات السياحية في الأردن خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة الأولى من العام تراوح بين 2 % و3 %، ويُعزى جزء منه مباشرةً إلى تراجع حركة النقل الجوي، ولا سيما رحلات الطيران منخفضة التكلفة.
وأوضح أن الخسائر لم تقتصر على قطاع الطيران وحده، بل امتدت لتطال القطاعات السياحية والدول المرتبطة بهذه الخطوط؛ فخسائر التذاكر المحجوزة مسبقًا، وتراجع أعداد الركاب، وارتفاع الكلف التشغيلية، وكلف الموظفين والطيارين والطواقم — كل ذلك تراكم في ظل غياب الوضوح حول مدة الأزمة، مما جعل قرارات إعادة الهيكلة شبه مستحيلة.
مع انتهاء الحرب، يؤكد عايش أن العودة إلى الحالة الطبيعية تحتاج إلى وقت. فإعادة تنظيم الرحلات وأسعار التذاكر قد تستغرق عدة أشهر، بل إن بعض التقديرات تتحدث عن أكثر من سنة. وتبذل شركات الطيران جهودًا مكثفة للتكيف مع النتائج المترتبة على الأزمة، وهناك رهان على أن العودة القوية للحركة الاقتصادية والسياحية قد تعوّض جزءًا من التكاليف والخسائر المتكبَّدة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في عودة النشاط، بل في استعادة الانتظام الكامل للخطوط الملاحية. كما أن عودة أسعار النفط إلى مستوياتها الطبيعية قد تحتاج هي الأخرى إلى أشهر طويلة، مما يعني أن الانعكاسات السلبية على شركات الطيران قد تمتد حتى نهاية العام 2026، أو إلى مطلع 2027.
النفط ووقود الطائرات.. أرقام الذروة
قفز خام برنت بأكثر من 55 % منذ اندلاع الحرب، ليصل إلى ذروة بلغت نحو 120 دولارًا للبرميل، مقارنةً بنحو 72 دولارًا قبيل اندلاع الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران مباشرةً. وكان مارس وحده قد سجّل قفزةً شهرية بلغت 51 %، وصفها المحللون بأنها من أكبر القفزات الشهرية في تاريخ أسواق النفط.
وبلغت الأسعار ذروتها المطلقة حين تجاوز برنت 140 دولارًا للبرميل ، وهو الأعلى منذ عام 2008 ، في أعقاب تهديد الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وقد ردّت وكالة الطاقة الدولية (IEA) بوصف ما تشهده الأسواق في تلك الفترة بـ«أكبر صدمة في تاريخها»، وأطلقت سحبًا طارئًا قياسيًا بلغ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية لدى الدول الأعضاء.
وقود الطائرات: الأشد تضررًا
انعكس ذلك كله بصورة حادة على وقود الطائرات، الذي وصفته محللة الوقود في Sparta Commodities جون غو بأنه «تعرّض لأكبر ضغط بين المشتقات النفطية كلها». ففي الولايات المتحدة، قفز سعر الغالون من 2.50 دولار قبل الحرب إلى ما بين 4.56 و4.88 دولارات في ذروة الأزمة، أي بارتفاع ناهز 95%، وهو ما يعادل نحو 205 دولارات للبرميل، وعلى المستوى العالمي، سجّل المؤشر العالمي لوقود الطائرات ارتفاعًا بلغ 81% في أسبوع واحد فقط، وقد لخّص سكوت كيربي، الرئيس التنفيذي لشركة يونايتد إيرلاينز، هذا الواقع في مذكرة داخلية بعبارات لافتة:
الشركات التي علّقت رحلاتها
في أول 24 ساعة من اندلاع الحرب، رصدت وكالة «رويترز» ما لا يقل عن 20 شركة طيران عالمية أعلنت تعليقًا فوريًا لرحلاتها إلى مطارات إيران والعراق والكويت والإمارات ولبنان والبحرين والأردن وقطر وإسرائيل، وبحلول 19 مارس، كانت قائمة الشركات الموقفة لرحلاتها قد تمدّدت بشكل ملحوظ، فيما أوصت هيئة الطيران الأوروبية (EASA) جميع شركاتها بتجنّب المجالات الجوية المتأثرة بالعمليات العسكرية.
الشركات التي أجّلت أو خفّضت.
إلى جانب الشركات المُعلّقة رحلاتها بالكامل، اضطرت شركات أخرى إلى تأجيل جداولها أو تخفيضها دون إيقاف كامل. ووفق «أفياشن ويك» (19 مارس 2026)، فإن طيران الإمارات والاتحاد للطيران ظلّتا تشغّلان نحو 90 % فقط من شبكتيهما المخططتين، أما يونايتد إيرلاينز فأعلنت تخفيض نحو 5 % من رحلاتها في الربعين الثاني والثالث من 2026. كما أعلنت ماليزيا إيرلاينز تأجيل استئناف رحلاتها إلى تل أبيب وبيروت.
الاضطرابات.. كم رحلة أُلغيت وكم مسافرٍ تضرر؟
وفق منصة «The Kobeissi Letter»، فإن عدد الرحلات المُلغاة عالميًا باتجاه الشرق الأوسط تجاوز 23,000 رحلة منذ 28 فبراير، بكلفة اضطرابات تقترب من مليار دولار خلال أسبوع واحد. 
وأعلنت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) أن تسع شركات طيران إقليمية كبرى ألغت قرابة 19,000 رحلة خلال الأسبوعين الأولين من النزاع، بخسائر بلغت نحو 1.9 مليار دولار.

و أعلن «صندوق النقد الدولي» أن عدد الرحلات اليومية في المنطقة انخفض إلى النصف، وحذّر «إياتا» خلال الأزمة من أن إمدادات وقود الطائرات وأسعاره «قد تستغرق أشهرًا للعودة إلى طبيعتها» وهو تحذير لا يزال قائمًا حتى مع انتهاء الحرب.
ما بعد الحرب: تحولات هيكلية في الأفق
رصدت «الجمعية الملكية للملاحة الجوية» أن الأزمة وسّعت الفجوة بين شركات الطيران الكبرى والصغرى، وأن «الشركات الأصغر ستملك قدرة محدودة على امتصاص الزيادات في التكاليف، ما يرفع مخاطر إعادة الهيكلة أو حتى الإفلاس». ومع انتهاء الحرب، ستكون عمليات إعادة التموضع والبحث عن مراكز ربط بديلة من أبرز تحديات المرحلة القادمة.
وعلى المدى البعيد، ربطت الجمعية بين الأزمة وتسريع التحوّل نحو مصادر طاقة بديلة، مع تصاعد الاهتمام بوقود الطيران المستدام (SAF) كاستجابة استراتيجية لتقليص الاعتماد على ممرات نفطية وحيدة كمضيق هرمز وهو درس يبدو أن الصناعة عازمة على استيعابه هذه المرة.
أسعار التذاكر والمسافرون
أوردت مجلة «Fast Company» أن أسعار وقود الطائرات الفورية ارتفعت بنسبة تقارب 80 % في الأسبوع الأول من الحرب، ما اضطر شركات الطيران إلى رفع أسعار التذاكر بشكل واضح، و لامس متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة 4.02 دولار في 25 مارس 2026، وهو الأعلى منذ أغسطس 2022 فيما وصل الديزل إلى 5.45 دولارات للغالون.
واليوم، مع انتهاء الحرب، يترقّب المسافرون انعكاس ذلك تدريجيًا على أسعار التذاكر غير أن الخبراء يحذّرون من توقّع انخفاض فوري، إذ إن آليات تسعير الوقود والتحوّط المالي لشركات الطيران تعني أن الأثر الكامل لتراجع أسعار النفط قد يستغرق أشهرًا حتى يصل إلى شبّاك التذاكر.