السياحة في عصر الترند.. هكذا تتحكم السوشيال ميديا في وجهتك
لم تكتف مواقع التواصل الاجتماعي بدورها الجديد كوسيلة جذابة للترويج السياحي، بل تجاوزته إلى إعادة ترتيب وتصنيف جهات الجذب السياحي وتقديم أماكن جديدة مغرية لأخذ الصور ومقاطع الفيديو، فيما أهملت أو وضعت في مرتبة أقل الجهات التقليدية أو الرئيسية أو حتى التي حققت شهرة في العقدين الأخيرين.
واستغلت بعض مواقع التواصل الاجتماعي المكانة التي أصبحت تحظى بها لدى جيل كامل بوصفها دليلا سياحيا جديدا، فأحدثت تغييرات كبيرة في قطاع السياحة، ووجهت بوصلة السياح خاصة المغرمين بتطبيقات تيك توك وإنستغرام وسناب شات إلى وجهات جديدة، ما تسبب في تأثيرات سلبية لم تقتصر على الإرباك الذي عانى منه القطاع السياحي، بل ألحقت أضراراً بالغة ببعض الوجهات الرئيسية التي أصابها الكساد، وأثارت فوضى للوجهات التي روجت لها في بعض الأحيان.
"صور جميلة"
في هذا الصدد، يقول عثمان بن يحيى (منظم رحلات) إن انتشار صورة جميلة على أي موقع وحصد وسمها ملايين المشاهدات كفيل بأن يجعل المنطقة التي تقع فيها مقصد الجميع، ومطلبا رئيسيا لكل الذين يعتمدون على مواقع التواصل لاختيار الأماكن لقضاء عطلاته، ويضيف في حديثه لـ"العربية نت": "مواقع التواصل أحدثت تغييرًا كبيرًا في اختيارات المسافرين وخطط رحلاتهم، فبتأثير منها يختارون شركات الطيران والفنادق والأماكن الجميلة ويقارنون الأسعار والخدمات وينجذبون للصورة وللتجربة".
الصورة ونمط السفر الواحد
غيّرت مواقع التواصل الاجتماعي إلى حد كبير معايير الجذب السياحي، فأصبح الوقوف أمام المعالم وزيارة بعض المطاعم التي جعلتها مواقع التواصل وجهة سياحية مشهورة، والتقاط صور بنفس الوضعيات التي شاهدها السياح على هواتفهم، أهم لدى الكثيرين من السفر لمجرد تغيير المكان واختيار منطقة مريحة أو مدينة تاريخية أو اكتشاف ثقافة جديدة، بل إن نسبة كبيرة من السياح أصبحوا يبحثون عن أفضل الصور لينشروها على صفحاتهم وليؤكدوا أنهم كانوا في ذلك المكان تحديدًا الذي لاقى اهتماما واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويرى الخبراء أن استنساخ تجارب السياح باتباع المسار ذاته وزيارة أماكن محددة وخوض الرحلة نفسها وإن كان الهدف منه هو تقليد الصور المنتشرة على إنستغرام وتيك توك لينال المسافر التقدير من الآخرين وخاصة متابعيه، فإنه خلق تحديات كثيرة وترك آثاراً جانبية متعددة.
فتحوّل زقاق بقرية صغيرة إلى استوديو تصوير مفتوح بعد أن اشتهر على إنستغرام، واصطفاف طوابير على أرصفة المطاعم للحصول على طاولة في مطعم طاه اشتهر على تيك توك، وتدفق السياح بشكل هائل لزيارة مناطق طبيعية غير مؤهلة لاستيعاب أعداد كبيرة والمخاطرة بالوصول الى أماكن خطرة فقط لأن صورها حصدت ملايين، تسبب في عواقب سلبية كثيرة كالفوضى والاكتظاظ، وتدمير البيئة، والضغط على المجتمعات المحلية.
بهذا الخصوص يقول عمر وهبي (مسؤول بوحدة فندقية) في حديثه لـ"العربية.نت": "هناك معالم وأماكن اكتسبت شهرة واسعة وارتفع الطلب السياحي عليها بشكل مذهل، ما تسبب في ارتفاع تكلفة السلع والخدمات وجعل الحياة أكثر صعوبة على السكان المحليين، فالمنطقة لم تكن على استعداد أو تخطيط مسبق لأن تتحول إلى قطب سياحي".
ويضيف أن بعض المناطق التي بها تجهيزات وبنى تحتية ملائمة لاستقبال أعداد كبيرة من السياح تعاني الكساد بسبب تسليط مواقع التواصل الضوء على أماكن أخرى جديدة لا تتوفر على خدمات كافية، ما تسبب في إزعاج السكان المحليين وتهديد سبل العيش التقليدية والتأثير على البيئة إضافة إلى الفوضى والتلوث.
الترويج لوجهات سياحية غير معروفة
لا ينكر الخبراء التأثير الإيجابي لهذه الظاهرة والفوائد التي نالها القطاع مع تزايد تأثير الشبكات الاجتماعية على طريقة السفر ومشاركة الرحلات، فالنفوذ المتزايد لهذه الشبكات على قطاع السياحة ساعد في الترويج لمشاريع تجارية ووجهات سياحية كانت في أمسّ الحاجة للترويج، كالمطاعم ودور الضيافة الصغيرة وشركات النقل والتي لا تضع عادة ميزانية كافية للترويج، وتجد في السياح والمؤثرين ضالتها فهم يتولون كل شيء، غير أن حملات الترويج ونشر المعلومات عن طريق المؤثرين لا تخضع لضوابط كفيلة بتحقيق التوازن بين الوجهات السياحية المختلفة وتعزيز الشهرة على الإنترنت مع مراعاة القدرة الاستيعابية وتقديرات قطاعات النقل والإقامة والصحة.
ولمواجهة هذه التحديات يدعو الخبراء إلى مزيد من التعاون مع المؤثرين للترويج لوجهات سياحية مختلفة وأقل ازدحامًا، وتعزيز حضور وتفاعل المؤسسات السياحية على منصات التواصل الاجتماعي ليس فقط لزيادة جاذبيتها بل أيضا لإعطاء المسافرين صورة حقيقية عن قدرتها الاستيعابية وتقديم نصائح حول المحيط والمواقع السياحية والمطاعم ووسائل النقل والأنشطة.
ويحذر الخبراء من النتائج المترتبة عن ترك الصورة المثالية على إنستغرام وتيك توك تتحكم في قطاع السياحة، ويدعون إلى مراقبة الاتجاهات الجديدة، والسعي إلى توسيع الخيارات وتوجيه شغف المسافرين نحو جهات متعددة.
