+A
A-

بالفيديو: رضا علي.. “إمبراطور الطائرة” الذي طوّع الذهب لاعبًا ومدربًا

  • جيل الشامل في مواجهة جيل المتخصص.. ربح التخصص اللعبةَ وخسر المرونة

  • الصبر لا السحر.. هكذا يصنع رضا علي الأبطال من الصفر

  • أزمة مركز 4.. الحلقة المفقودة المقيّدة لطموح المنتخب

  • غياب النصر والنجمة عن المنافسة أضرّ بزخم الطائرة البحرينية

  • اللاذقية 1992.. يوم صنع البحرينيون المستحيل وأسكتوا الجميع

 

في زواريب الجفير العريقة، حيث تتشابك أصوات الملاعب الخارجية مع عبق التاريخ الرياضي البحريني، وُلدت قصة لاعب لم يكتفِ بصناعة المجد لنفسه، بل حمل على عاتقه نقله إلى كل من حوله جيلاً بعد جيل. رضا علي — الاسم المرادف للكرة الطائرة البحرينية على مدى أربعة عقود — لم يكن مجرد لاعب استثنائي اقتنصَ جوائز أفضل لاعب في العالم العربي وآسيا، بل كان مدرسةً متكاملة في الانضباط والعطاء والانتماء. مسيرة بدأت بتمريرة خجولة على ملعب ترابي في الجفير عام 1982، ثم انتهت لتاريخ زاخر بالألقاب والبطولات القارية، قبل أن تتحوّل إلى رحلة تدريبية لا تقل إثارة، من البحرين إلى الكويت مرورًا بالإمارات. في هذا الحوار، نستعيد مع الكابتن الكبير أبرز محطات مسيرته، وقراءته لواقع الكرة الطائرة البحرينية، ورؤيته لمستقبلها.

البداية.. طفل الجفير يحلم بالقمة
كابتن رضا، خذنا إلى البدايات الأولى، كيف ولجتَ عالم الكرة الطائرة وما الذي أشعل هذا الشغف؟

بدايتي كانت عام 1982 مع نادي النصر، تدرّجتُ في فئات الناشئين بخطوات هادئة وصبورة حتى جاء اختياري للمنتخب الوطني للناشئين عام 1984 في بطولة دبي. كانت تلك أول مرة أرتدي فيها قميص المنتخب، ولا أنسى ذلك الإحساس أبدًا. بعدها انطلقنا بخطوات متسارعة؛ ففي 1986 كان لدينا معسكر مكثّف في اليابان استعدادًا لكأس العالم 1987، ثم في العام نفسه جاء الاختيار لمنتخب الشباب فالمنتخب الأول. 
كان النصر في تلك الحقبة يحتل المركز الثاني في الفئة الأولى، لكننا في فئات الناشئين كنا نحن والوحدة نتقاسم السيطرة ولا مجال لأحد سوانا.

إذا قيل “الكرة الطائرة البحرينية” تبادر فورًا اسم رضا علي، ما سرّ هذا البروز الاستثنائي من منطقة الجفير تحديدًا؟
الجفير تختزن في تربتها مواهب حقيقية في الكرة الطائرة منذ السبعينيات؛ فالملاعب كانت منتشرة في كل زاوية، وصالة الجفير الرياضية التي أُنشئت عام 1979 لبطولة المنتخبات الآسيوية أعطت المنطقة زخمًا وشعبية لافتة للعبة. وأنا حين كنت صغيرًا كنت أحضر كل مباراة في الصالة وعيناي مفتوحتان على أسماء كيوسف خليفة وعلي خليفة، وكنت أقول في نفسي: “لا بد أن أصل إلى مستواهم يومًا ما.” هذا الطموح الداخلي هو الوقود الحقيقي لكل شيء. والحمد لله، حين اخترني المنتخب الأول شعرتُ أن الحلم بدأ يتشكّل. ثم جاء الاحتراف عام 1992 مع الريان القطري، ومع الجزيرة الإماراتي 1994 بدأ الاسم يُطرق في الأوساط الرياضية الإقليمية، قبل أن تكون الهلال السعودي المحطة الذهبية التي صنعت الأسطورة.

ذهب اللاذقية.. معجزة لم يتوقعها أحد
ما أبرز إنجازاتك مع المنتخب الوطني التي لا تزال تُدغدغ ذاكرتك حتى اليوم؟

أبرز إنجازَين في مسيرتي مع المنتخب هما بطولة الألعاب العربية 1992 في اللاذقية، وبطولة المنتخبات الخليجية 1995 في الدوحة. في اللاذقية لم نكن مرشحين لأي شيء على الإطلاق — الجزائر القادمة من أولمبياد برشلونة كانت النجمة الأولى، وتونس والكويت معها. لكن قبلها بعام، شارك نادي النصر في بطولة الأندية العربية بتونس والتقى بالنادي الأفريقي، وحينذاك أعطى المراقبون التونسيون إشارة بأن في البحرين لاعبين من طراز رفيع. وحين وصلنا اللاذقية، كان الفريق بأكمله يحمل في قلبه شيئاً أكبر من مجرد المشاركة. فزنا على الكويت 3-0، وعلى السعودية 3-0، وتوّجنا أبطالاً في بطولة ما كان أحد يتوقع فيها اسم البحرين على المنصة العليا.
“في اللاذقية 1992 اختارني الاتحاد الدولي ضمن أفضل عشرة رياضيين عرب في جميع الألعاب — وهذا وسام لا يُنسى. ثم في 1999 حصلتُ على لقب أفضل لاعب في بطولة الأندية الآسيوية مع الهلال. لكن الأعمق في قلبي يبقى ذهب اللاذقية، لأننا أخذناه بلا أن ينتظره أحد”.

الهلال والمجد الآسيوي..
أربع سنوات وأحد عشر لقبًا
تُعدّ فترة احترافك مع الهلال السعودي الأكثر ثراءً وحصادًا في مسيرتك، ما الذي ميّز تلك المرحلة تحديدًا؟

أربع سنوات متتالية مع الهلال من 1996 إلى 2000 حققتُ فيها ما يقارب أحد عشر لقبًا: ثلاثة أدوار عامة، وكأس النخبة أربع مرات، وبطولة الأندية العربية مرتين في الرياض ثم في لبنان، ونهائي بطولة الأندية الآسيوية 1998 حيث خسرنا أمام كوريا في مباراة قاسية. ثم عام 1999 حصلتُ على لقب أفضل لاعب في بطولة الأندية الآسيوية وحقق الهلال كأس آسيا. تخيّل: أربع سنوات وأحد عشر لقبًا! هذا لا يحدث إلا حين تجتمع المواهب في بيئة تعمل بانضباط ووضوح. كانت تلك سنوات العطاء الحقيقي في حياتي الرياضية.

يُشار إليك باعتبارك أول لاعب بحريني محترف في كرة الطائرة، كيف كانت تجربة الاحتراف في تلك الحقبة المبكرة؟
أول احتراف كان مع الريان القطري عام 1992 - 1993 حين كانوا وصيف الدوري وبطل الكأس. كان الأمر جديدًا ومختلفًا تمامًا— أن تترك البيئة المألوفة وتحمل اسم البحرين في أندية خارجية كان تحدياً وتشريفاً في آنٍ واحد. ثم الجزيرة الإماراتي الذي أحرزنا معه المركز الثالث في بطولة الأندية العربية وحصلتُ على جائزة أحسن لاعب، والأهلي السعودي بعدها، قبل أن يأتي الهلال ويُتوَّج كل شيء. آخر محطة احترافية كانت مع نادي الزمالك المصري في بطولة الأندية العربية بليبيا — ختامٌ بحجم المسيرة.

المدرّب.. صانع الأبطال يعود إلى الجفير
كيف جاء قرار التحوّل من الملعب إلى دكّة التدريب، وهل كان الانتقال سهلًا؟

بعد إصابة في الركبة وتمزّق في العضلة الأمامية للفخذ إثر بطولة المنتخبات الخليجية 2000 - 2001 أعلنتُ الاعتزال. لم يمضِ وقت طويل حتى رشّحني الكابتن يوسف خليفة لتدريب النصر عام 2002. قبلتُ بشرطَين: أن أمسك فريق الشباب والفريق الأول معاً، وأن تُمنح المسيرة وقتها الكافي. وضعتُ خطة أربع سنوات، لكنها تحققت في ثلاث. كان الفريق يرزح في المرتبة الرابعة والخامسة، فصعدنا إلى المركز الثالث ثم توّجنا بلقب الدوري عام 2005، ثم لم يتوقف النصر عن جني الألقاب حتى 2015 دوريًّا وكأسًا.

ما سرّ هذا التحوّل السريع في مسار النصر؟ هل كان في اللاعبين أم في الخطة أم في البيئة؟
الأمور لا تُبنى بعنصر واحد. نعم، كانت هناك مواهب من الطراز الأول: علي حسن، عبد الحسين صادق، إبراهيم حسن، حسن ضاحي، حسين المتروك، صبيح يونس — شباب متعطشون للبطولات بصدق. لكن الأهم أنهم كانوا يشتغلون بلا كلل؛ تدريب عصر ساعة ونصف، ثم يعودون في المساء ساعتين إضافيتين. معدّل ثلاث ساعات ونصف يوميًّا! هذا العطاء خلق عندهم دافعًا داخليًّا لا يصنعه المدرب وحده. والمدرب مهما كان عبقريًّا يحتاج دعم الإدارة والجماهير والمنطقة — وقد كان الجميع في صف واحد يريد رجوع النصر. هذا التوافق هو الذي صنع المعجزة.
وبعد النصر، تنقّلتَ بين أندية عديدة كالأهلي البحريني وبني ياس والقادسية الكويتي، حدّثنا عن أبرز هذه المحطات.

مع الأهلي البحريني عام 2017 حققنا بطولة الأندية العربية وثاني الدوري وكأس ولي العهد. ومع القادسية الكويتي كانت التجربة الأكثر إثارةً ودرامية؛ ناد بعيد عن البطولات قرابة إحدى عشرة سنة، وحين وصلتُ في الموسم الأول خسرنا من الكويت 3-0 ومن كاظمة 3-0 — لكن كنتُ أرى في اللاعبين خاماتٍ حقيقية كراشد عنبر وناصر دشتي، وأعلمُ أن هذا الفريق يحتاج وقتًا لا عصا سحرية. وفي نهاية الموسم منّ الله علينا بلقب الدوري. الأصعب كان الإصابات في النهائيات — حين يغيب أفضل لاعبَين لديك في المباريات المصيرية، لا يد للمدرب في ذلك، لكن اللوم يقع دائمًا عليه في النهاية.
“المدرب الناجح ليس من يفوز دائمًا، بل من يبني فريقاً يفوز حتى حين يغيب. الإصابات والظروف لا تُسأل عنها، لكن البنية التحتية التي تصنعها هي ما يبقى حين تمضي”.

الكرة الطائرة البحرينية..
قراءة نقدية بلا مجاملة
كيف تُقيّم المستوى الفني للكرة الطائرة في البحرين اليوم مقارنةً بجيل التسعينيات؟

جيلنا كان اللاعب ملمًّا بجميع المهارات؛ كنتَ ترى لاعبًا يؤدي مركز الرابعة ثم تضعه في الثانية فيعمل بكفاءة. التخصص بدأ نحو عام 1992 وتعمّق بعدها. اليوم اللاعب يُتقن مركزه أكثر وينتج أعلى في إطاره، لكن في الدوران الروتيني يعاني. وهذه إشكالية عالمية، لكنها عندنا أوضح. المشكلة الأكبر في البحرين حاليًّا هي الشح في لاعبي مركز الرابعة — الأوتسايد هيتر. لدينا محمد يعقوب وناصر وهما استثنائيان، لكن ما وراءهما في هذا المركز تحديدًا فيه فراغ واضح. وهذا يُضعف المنتخب في البطولات الكبرى.

غياب النصر والنجمة — الوحدة سابقًا — عن المنافسة على الألقاب، كيف أثّر على المشهد العام للكرة الطائرة البحرينية؟
هبوط هذَين الفريقَين أضرّ بمستوى الدوري إضرارًا حقيقيًّا. النصر آخر لقب له كأس ولي العهد 2015، والنجمة آخر دوري لها 2016 — ونحن في 2026. المنافسة الثلاثية الحالية بين الأهلي ودار كليب والمحرق تُفرز إثارة، لكنها لا تعوّض غياب الزخم التاريخي الذي كانت تصنعه الرباعية الكبرى. الجماهير تفتقد النصر بصدق — وحين يحضر النصر المباريات تجد كل منطقة الجفير تقوم وتجلس معه. الاتحاد البحريني يريد عودته، ومحبو الكرة الطائرة يريدون عودته. المطلوب من إدارة النصر الشغل في القاعدة بصدق وصبر، مثلما فعل دار كليب الذي بنى فئاته من الصفر حتى وصل إلى ما هو عليه.

وعلى مستوى الخليج والمنطقة العربية، أين تقع البحرين في المشهد الراهن؟
البحرين تبقى منافسة — لا أريد أن أُقلّل من ذلك. في بطولات المنتخبات العربية والخليجية نحن حاضرون دائمًا في دائرة المنافسة على الميداليات. القمة التاريخية كانت تضم تونس ومصر والجزائر والبحرين وقطر، وهذا مصدر فخر حقيقي. لكن في الوقت نفسه، هناك هبوط ملموس في المستوى العام، وأنا أقول ذلك بمسؤولية لا بتشاؤم. نحتاج إلى مراجعة صادقة في التدريب على المراكز التخصصية وفي برامج الناشئين.

الجيل القادم.. بذور الأمل في تربة خصبة
حين تراقب فئات الناشئين اليوم، ماذا ترى؟ هل ثمة بذور واعدة تستحق الاهتمام؟

شهدتُ نهائي الناشئين بين النصر ودار كليب، ونهائي الشباب بين المحرق ودار كليب — وفي المباراتَين كانت هناك خامات تلفت النظر. لفت انتباهي لاعب من المحرق يُدعى عباس، وآخر من دار كليب يملك حضورًا لافتًا. لكن الضعف الواضح في هذه الفئات يتمركز في الإرسال — الإرسال القافز والإرسال الفلوتر — وهما من ركائز كرة الطائرة الحديثة. التعاقد الأخير مع الكابتن يوسف خليفة لتدريب منتخب الناشئين أراه خطوة موفّقة؛ الرجل يعرف ماذا يريد وكيف يبني، وأتمنى أن يُفرز هذا التعاون جيلًا يُكمل ما بدأناه.

رسالة الكابتن إلى الجيل الجديد
“حافظوا على دراستكم — لا تجعلوا الرياضة تأكل الدراسة ولا الدراسة تُبعدكم عن الملعب. قسّموا وقتكم بعدل وحكمة؛ فكثيرون في التاريخ تفوّقوا في الاثنتين معًا. وفوق كل ذلك، أحكموا أخلاقكم — لأن الناس تقتدي بأخلاق الرياضي قبل أن تحفظ أرقامه. الأخلاق هي البطولة الحقيقية التي لا تنتهي بصافرة الحكم”.