العدد 6420
الأربعاء 13 مايو 2026
الحفله التنكرية الكبرى
الأربعاء 13 مايو 2026

تُعد المعاناة القسرية الناجمة عن اضطرار المرء لمجاملة من يبغض هي أحد أقسى اختبارات القدر. في هذا السياق، يجد الفرد نفسه منساقاً إلى حفله تنكريه، حيث تدور رحى معركة صامتة بين مراره الواقع ونقاء الروح. ولا أبالغ إذا قلت بأن  الوجع الحقيقي في هذا العالم يكمن في تلك المساحة الضيقة التي تفرض عليك مصافحة أناس تدرك يقيناً كرههم لك، والنظر في وجوه تطفح بالوداعة المزيّفة وهي تخفي خلفها أنياب الحقد.


في هذا الحفله التنكرية ، كثيراً ما يضطر الناس للتعايش مع من فرضت عليهم الظروف جوارهم. هنا، يتحول التغاضي إلى صراع مرير، ويغدو التجاهل درعاً ثقيلاً يستنزف طاقة الروح. إنها المعاناة التي تسلب المرء حقه في الخصومة الشريفة، حين يجد نفسه مضطراً للسير فوق جمر المجاملات المتعبه.
هكذا تظل الروح الحرة مقيدة بأصفاد من اللطف العقيم تجاه أشخاص لا يستحقون حتى نظرة عتاب، فعلاقات الضروره هذه تهدم كرامة الحقيقة، وتمثل انتهاكاً صارخاً لحياة ترفض التلون.


ولا تتوقف فصول هذه  الحفله التنكريه عند الحالات الفردية، بل تمتد لتصبح ظلاً داكناً يلقي بظلاله على حدود الوطن . ثمة نوع من البشر لا يكتف بفرض الزيف على الأفراد، بل نقلوا لثامهم إلى الساحة الدولية، هؤلاء الذين يرتدون ثوب الحليف والصديق، مستغلين بلاد آوتهم يوماً ومنحتهم مفاتيح دارها، ليجازوها بالقبح والنكران .

إن مشهد أعداء الداخل وهم يتوارون خلف أقنعة الحكمة، يصافحون الغريب ويبيعون الشرف الوطني مقابل ابتسامة باهتة، هو المشهد الأكثر مرارة على الإطلاق. 

هؤلاء الذين استسهلوا تحويل الخيانة إلى وجهة نظر، وحولوا الهوية إلى مجرد ورقه عبور  يتوهمون أن الذاكرة مثقوبة ولن تحفظ صنيعهم.

لكن التاريخ -تماماً كالإنسان - قد يتجرع مرارة الخديعة لحين، وقد يصبر على الخيانة طويلاً، إلا أنه في نهاية المطاف سيميط اللثام عن كل المشاركين في هذا الزيف. وحينها، سيسقط القناع عمن يدعي أنه الصديق الذي لا غنى عنه، ليظهر وجهه الحقيقي!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية