العدد 6417
الأحد 10 مايو 2026
المناصب زائلة
الأحد 10 مايو 2026

ليست المناصب هي التي تصنع الرجال، بل الرجال هم من يمنحون المناصب قيمتها وهيبتها. فكم من شخص جلس على كرسي كبير، لكنه بقي صغيرًا في أعين الناس، وكم من إنسان غادر موقعه، لكنه ظل حاضرًا في القلوب والذاكرة والاحترام.
القيمة الحقيقية لأي مسؤول لا تُقاس بعدد الصلاحيات التي يمتلكها، ولا بحجم الموكب أو الألقاب، بل بما يتركه خلفه من أثر طيب، وبالطريقة التي تعامل بها مع الناس خلال رحلته. فالمناصب مهما طالت هي مرحلة مؤقتة، أما السمعة والأخلاق فهما ما يبقيان بعد انتهاء كل شيء.
الحياة مليئة بالدروس، وربما أهمها أن الأيام تعيد الجميع إلى حجمهم الحقيقي بعيدًا عن المكاتب والبروتوكولات. هناك من يرحل عن منصبه فلا يشعر أحد بغيابه، وهناك من يغادر فيترك فراغًا حقيقيًا لأن حضوره كان إنسانيًا قبل أن يكون إداريًا.
والإنسان يُختبر أخلاقيًا كلما ارتفع موقعه. فإما أن يستخدم صلاحياته لخدمة الناس وترك بصمة محترمة، أو يتحول إلى شخص متعالٍ يختفي احترامه فور مغادرته المشهد. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يكسبه المسؤول في نهاية رحلته ليس الامتيازات ولا النفوذ، بل دعوات الناس ومحبتهم الصادقة.
كثيرون يكتشفون متأخرين أن بعض من كانوا حولهم لم يكونوا يحبونهم فعلًا، بل كانوا قريبين من الكرسي فقط. وما إن يغادر الإنسان منصبه حتى تتغير الوجوه، وتقل الاتصالات، وتتلاشى المجاملات، ليكتشف الفرق الكبير بين الاحترام الحقيقي والمصلحة المؤقتة.
وفي المقابل، هناك شخصيات تبقى كبيرة حتى بعد مغادرة المناصب، لأن أخلاقها كانت أكبر من أي لقب، ولأنها تعاملت مع الناس بتواضع وعدالة واحترام. هؤلاء لا يرتبط حضورهم بقرار تعيين أو انتهاء فترة عمل، بل بمكانة صنعوها بأنفسهم، ولذلك يبقى ذكرهم حاضرًا بكل خير حتى بعد سنوات طويلة.
في النهاية، المنصب مرحلة عابرة، أما الإنسان الحقيقي فهو الذي يبقى أثره الطيب في قلوب الناس حتى بعد أن يغادر كل شيء. 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية