في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من سلاح فحسب، بل بما تمتلكه من وعيٍ جمعي، وتماسكٍ داخلي، وقدرةٍ على قراءة العاصفة قبل أن تبلغ أبوابها. وحين تشتد الرياح، لا يكون الخيار بين المواجهة والانسحاب، بل بين التفرّق الذي يفتك، والالتفاف الذي يُنقذ.
“لمّوا عصاكم... سدد الله خطاكم” ليست مجرد عبارة شعرية للأمير خالد الفيصل، بل هي اختزال لحكمةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ عميقة، تُخاطب اللحظة كما لو أنها كُتبت لها. فالعصا حين تتفرّق تُكسر، وحين تجتمع تستعصي حتى على أقسى الضربات. ما شهدته المنطقة من الاعتداءات الإيرانية الآثمة على مملكة البحرين والمنطقة لم يكن حدثًا عابرًا، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الخليج على حماية مكتسباته وصون استقراره. وبين ضجيج التحليلات، وتضارب الروايات، يبقى الثابت الوحيد أن دول الخليج لم تعد كما كانت، وأنها اليوم أكثر وعيًا، وأكثر جاهزية، وأكثر إدراكًا بأن أمنها ليس خيارًا، بل هو قدرٌ يجب أن يُصان.
لقد أثبتت التجربة أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج، بل قد يتسلّل من الداخل عبر أصواتٍ تُهوّن من التهديد، أو تُشكّك في الثوابت، أو تُحاول أن تصنع شروخًا في جدار الثقة بين الشعوب وقياداتها. وهنا تحديدًا، تتجلّى أهمية “لمّ العصا”؛ فالوطن لا يحتمل الترف الفكري في زمن الأزمات، ولا يقبل أنصاف المواقف حين تكون المصالح العليا على المحك. الخليج اليوم لا يقف على هامش التاريخ، بل في قلبه. هو مركز للطاقة، وركيزة للاستقرار، ونقطة توازن في عالمٍ يزداد اضطرابًا. لذلك، فإن استهدافه - سياسيًا أو إعلاميًا أو أمنيًا - لم يعد مستغربًا، بل متوقعًا. لكن غير المتوقع، وغير المقبول، أن يُواجه هذا الاستهداف بتفرّقٍ داخلي أو ضعفٍ في الاصطفاف.
إن التحدي الحقيقي ليس في صدّ الصواريخ فقط، بل في صدّ الانقسام، وليس في امتلاك القوة فقط، بل في توجيهها بحكمة، وتحصينها بوحدة الصف. فالدول التي تسقط، لا تسقط لأنها ضعيفة، بل لأنها انقسمت على نفسها. من هنا، فإن المرحلة تفرض خطابًا مختلفًا، خطابًا يُعلي من شأن المسؤولية، ويُقدّم مصلحة الوطن على كل اعتبار، ويُدرك أن الكلمة قد تكون أخطر من الرصاصة إن وُجّهت في غير موضعها. نحن لا نحتاج إلى مزيدٍ من القلق، بل إلى مزيدٍ من الوعي، ولا إلى تضخيم الخطر، بل إلى الاستعداد له بعقلٍ بارد وقلبٍ ثابت.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن الخليج، بقياداته وشعوبه، يملك من المقومات ما يجعله يتجاوز كل عاصفة. لكن ذلك مرهون بشرطٍ واحد لا يقبل المساومة... أن نلمّ عصانا، فعلًا لا قولًا. فحين تجتمع العصا... يُسدَّد الخطى، ويُكتب المستقبل.
في أزمنة القلق، لا يكون الخطر في اختلاف الآراء، بل في تحوّل الاختلاف إلى خصومة تُضعف الصف وتُفرّق القلوب. وما من وطنٍ قويّ إلا وقد قدّم أهله المصلحة العامة على نزاعاتهم الصغيرة، وأدركوا أن الكلمة قد تبني جدارًا منيعًا أو تُحدث فيه صدعًا لا يُرى. إن لمّ الشمل ليس خيارًا تجميليًّا، بل ضرورة تُفرض حين تتكاثر التحديات؛ فالتماسك هو السور الأول، والنية الصادقة هي الحارس الذي لا ينام. فلنترك ما يشتّت، ولنقترب مما يجمع، ولنجعل من اختلافنا قوة فهمٍ لا سبب فرقة، فالأوطان لا يحميها المتفقون دائمًا، بل يحميها المختلفون حين يختارون أن يتوحّدوا.
كاتبة بحرينية