السينما وقضايا الشرق الاوسط
الفيلم السابع عشر: فيلم "حراس البوابة".. خال من المشاعر والاخلاق!
تفتح صحيفة “البلاد” نافذةً نقدية وفكرية واسعة من خلال هذه السلسلة الاستثنائية التي تحمل عنوان “السينما وقضايا الشرق الأوسط”، لتسلّط الضوء على الدور المحوري للفن السابع كشاهد عيان ومرآة عاكسة للتحولات الكبرى في منطقتنا العربية. لا تتعامل هذه السلسلة مع الفيلم السينمائي كمجرد وسيلة للترفيه، بل كمادة للبحث والدراسة السوسيولوجية والسياسية، عبر جولة معمّقة في أرشيف السينما العربية والعالمية التي توغلت في تفاصيل الصراعات والأزمات وقضايا الهوية والحرية.
ستقوم “البلاد” بتحليل أهم الأعمال التي لامست أوجاع الشرق الأوسط بجرأة فنية، بدءًا من القضية الفلسطينية والحروب الأهلية، وصولًا إلى قضايا الهجرة وتحديات الاستقرار الاجتماعي. نهدف من خلال هذا الملف إلى تفكيك لغة الصورة، وفهم كيف استطاع المخرجون تحويل القضايا المعقدة إلى حكايات إنسانية مؤثرة قادرة على مخاطبة الوجدان العالمي.
إنها دعوة للقارئ لاكتشاف كيف أصبحت الكاميرا سلاحًا ناعمًا في توثيق التاريخ وإعادة صياغة الرواية العربية أمام العالم، برؤية تحليلية تزاوج بين النقد الفني والوعي السياسي الرصين.
ضمن سلسلة “السينما وقضايا الشرق الأوسط” نحاول رصد النسبة الأكبر من تلك الأعمال التي استحضرت قضايا المنطقة عبر أنماط وتوجهات عدة، في محاولة لرصد ذلك الحضور والموضوعات والمحاور التي تم التعامل معها بالبحث والتحليل.
ينضم فيلم جديد إلى سلسلة أفلام السينما وقضايا الشرق الأوسط، وفي هذه المحطة نتوقف مع فيلم "حراس البوابة"، الذي يمكن وصفه بأنه أكثر فيلم منحاز لإسرائيل. وعلينا أن نتعرف على كافة النتاجات السينمائية التي تعرضت لموضوع وقضايا الشرق الأوسط بكثير من الشفافية؛ لكشف الأدوار التي تقوم بها صناعة الفن السابع في هذا المجال الخصب.
حيث يأخذنا فيلم "حراس البوابة" إلى حيث "الشاباك"، وهو جهاز الأمن العام الإسرائيلي. وبصفته المسؤول عن الإشراف على حرب إسرائيل على الإرهاب، يتواجد رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) -جهاز المخابرات الإسرائيلي- في قلب كل قرار يُتخذ. ولأول مرة على الإطلاق، وافق ستة رؤساء سابقين للجهاز على مشاركة رؤاهم والتأمل علناً في أفعالهم.
يجمع فيلم "حراس البوابة"، من إخراج المخرج الإسرائيلي درور موريه، بين لقطات أرشيفية ورسوم متحركة حاسوبية إلى جانب مقابلات معمقة، موزعة على سبعة أجزاء تتناول الدور المتنامي للشاباك منذ حرب الأيام الستة واحتلال الأراضي الفلسطينية، واتفاقيات أوسلو، والإرهاب اليهودي، وحادثة "الحافلة 300" (حادثة عام 1984 التي أعدم فيها عناصر من الشاباك اثنين من خاطفي الحافلة الفلسطينيين فور انتهاء أزمة الرهائن وأسرهما)، وصولاً إلى اغتيال مقاتلي حماس.
من الواضح أن المخرج استلهم عمله من الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة الأوسكار "ضباب الحرب" للمخرج إيرول موريس؛ إذ يقدم فيلم "حراس البوابة" رؤية صادقة وجريئة ومتقنة الإخراج للشخصيات التي تقف في قلب الحروب. إنه درس تاريخي صادم يرويه من دبروا أعمال العنف. يقول أحدهم: "انسوا الأخلاق"، مما يدل على أن هذا الفيلم لن يملأكم بالأمل في المستقبل. مع ذلك، فإن المتحدثين البليغين -ومنهم من يقارن سلوك إسرائيل في الضفة الغربية بسلوك النازيين تجاه السكان المدنيين غير اليهود في أوروبا الغربية المحتلة خلال الحرب العالمية الثانية- يجعلونكم تأملون في أن الحقيقة ستظهر في نهاية المطاف.
بصفتهم رؤساء سابقين لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، بقي الأشخاص الستة الذين يروي الفيلم قصصهم خلف الكواليس، موفرين لبلادهم حماية خفية. أحدهم يبدو كجدٍّ مرحٍ يرتدي حمالات بنطال، وآخر يتمتع بحضور شاب لكنه يحمل في طياته أفكار رجل أكبر سناً بكثير، وثالث بصوت أجش ووجه منحوت يستشهد بمفكرين مثل "حنة أرندت" و"كارل فون كلاوزفيتز". الآن، ولأول مرة، يكشفون عن أنفسهم ويتحدثون بصراحة مفاجئة في أكثر الأفلام الوثائقية السياسية إثارة منذ سنوات، خاصة لكل من له مصلحة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
لا يحتاج المشاهد إلى معرفة عميقة بتاريخ الشرق الأوسط الحديث لفهم الفيلم؛ فالدرس الأول فيه هو أن السياسيين، في تتبعهم للإرهابيين واستهدافهم، يسعون إلى إجابات قاطعة، بينما يعيش ضباط المخابرات هؤلاء عادة في منطقة رمادية من الشك. فإذا شنوا هجوماً، فقد يقتلون مدنيين، وإذا لم يشنوا هجوماً، فقد يتركون إسرائيل عرضة للخطر. لكن إذا قدموا لرؤساء دولهم إجابات "خاطئة"، فإنهم يخاطرون بإذلال واسع النطاق؛ وبالتالي قد تُعطى الأولوية للرأي العام على حساب أرواح الفلسطينيين. ويقدم الفيلم درساً ثانياً، وهو أن هذه السلطة المطلقة على القتل أمر منافٍ للطبيعة.
يُضفي فيلم "حراس البوابة" جواً بارداً: ألوان باهتة، وموسيقى تصويرية منذرة بالخطر، ولقطات فضائية غريبة تطفو في الهواء.. لكن الجانب الأكثر إثارة للرعب هو التعليق الصريح على العمل نفسه. يُقر هؤلاء الرجال بأن الأمن القومي "لا أخلاقي"، وأن حملاتهم في الأحياء الفلسطينية أشبه ما تكون بـ "مطاردة الأرانب". يُعلق أحد الضباط بابتسامة خفيفة قائلاً: "في نابلس، أينما رميت حجراً، وجدت إما قطة أو إرهابياً.. في بعض الليالي، اعتقلنا المئات".
يتميز الفيلم بجوّه الآسر، ومن نقاط قوته الأخرى نقده الذاتي؛ حيث يقدم هؤلاء الضباط ملاحظات صريحة لا يقتصر فيها تقييمهم على السياسيين الذين خدموا معهم فحسب، بل يشمل أيضاً سوء تعامل أسلافهم مع الأحداث الشهيرة. والأكثر من ذلك، أنهم يقرون بأن للفلسطينيين رواية مغايرة؛ إذ يعرب أحد المسؤولين عن صعوبة جلوسه مع "الإرهابيين" لإجراء محادثات سلام، لكنه يتذكر أن الفلسطيني الذي كان على تلك الطاولة وصفه هو أيضاً بالإرهابي. وهكذا يقول: إن ما يعتبره أحدهم إرهابياً، يعتبره آخر مناضلاً من أجل الحرية.
يروي المسؤولون الأمنيون كيف سعت إسرائيل على مر السنين إلى السلام لكنها لم تجنِ سوى المزيد من "الإرهاب" -حسب وصفهم- بينما أراد الفلسطينيون دولة لكنهم لم يحصلوا إلا على المزيد من المستوطنين. لا يعد هذا الفيلم سرداً تقليدياً لاضطهاد إسرائيل على يد الفلسطينيين (كما يدعون)، بل يستكشف ما يمكن لإسرائيل فعله، وما يجب عليها فعله لتحقيق سلام واستقرار دائمين.
في هذا الفيلم الذي يبدو خالياً من المشاعر، تدور أكثر النقاشات إثارة حول صعود اليمين المتطرف بين المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة. كان انتشارهم وتزايد عدائهم، والعقوبات المخففة التي تلقوها، أمراً معروفاً للجميع، لكن غضبهم انفجر مع اتفاقيات أوسلو. يوجه الضباط انتقادات مفاجئة لبنيامين نتنياهو، محملين إياه مسؤولية التحريض ضد إسحق رابين، الذي غيّر اغتياله على يد متطرف إسرائيلي نظرة هؤلاء الضباط إلى بلادهم؛ فيكفي أن يحمل شخص واحد سلاحاً لعرقلة عملية السلام.
بعد ذلك، غيّر جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك) استراتيجياته، وبدأ يتعاون سراً مع ضباط فلسطينيين في الشؤون الأمنية. لكن الفلسطينيين لا يتعاونون لمجرد مساعدة الأمن الإسرائيلي، بل لأنهم يؤمنون إيماناً راسخاً بأنهم سيحصلون قريباً على دولتهم، وفي كل مرة يفشلون فيها في وقف العنف، تبقى أحلامهم بإقامة دولة حبيسة الأدراج.
وسيُثير هذا الفيلم انتقادات واسعة لافتقاره إلى التوازن؛ فسيشتكي البعض من أن فيلم "حراس البوابة" لا يُعمّق البحث بما فيه الكفاية، وأن الشاباك يُقلل من شأن جرائمه، خاصة عندما يُصرح بأنه لا يُمارس التعذيب، وأن سجناءه يموتون بدلاً من ذلك بسبب "متلازمة هز الرضيع". وسيشتكي آخرون من أنه ينتقد اليمين الإسرائيلي بشدة.
على أي حال، يقدم الفيلم التاريخ من خلال سرد إسرائيلي للأحداث، بدءاً من تصويره لحرب الأيام الستة، وصولاً إلى صعود حماس والجهاد الإسلامي. وتناوله أيضاً لصعود المتطرفين اليهود يضفي عليه طابعاً يسارياً. وهنا تكمن الفكرة: يتحدث هؤلاء الضباط بصفتهم من الشخصيات المحورية في جهاز الدولة الإسرائيلية، فمهمتهم ليست التنظير ولا تحليل الأسباب والنتائج التاريخية، بل هم جنود ذوو مهام محددة.
بعد تنحيهم عن مناصبهم، باتوا يعتقدون أن الرواية السائدة -القائلة بأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لن ينتهي إلا بإبادة أحد الطرفين- خاطئة تماماً. يقدم الفيلم تأييداً صريحاً وضمنياً لفكرة أن استراتيجية الانتقام والإفراط في استخدام القوة غير فعالة، وتقود إسرائيل إلى سلوك مروع.
علاوة على ذلك، فإن قتل المتطرفين لن ينهي الإرهاب، ولن يفضي بالتأكيد إلى الاعتدال. يجب أن يكون الإسرائيليون مستعدين للحوار مع أي طرف مستعد للحوار، وستظل الشراكات الاستراتيجية ضرورية لمكافحة العنف. وبهذا المعنى، يُعد هذا الفيلم الأكثر تأييداً لإسرائيل بين الأفلام التي شاهدتها خلال مسيرتي كناقد ومتابع وراصد للنسبة الأكبر من النتاجات السينمائية الإسرائيلية على وجه الخصوص؛ لأنه الأكثر واقعية. فمن خلال اعترافه بوجهات النظر الفلسطينية (وإن لم يتبنّها)، يرى أن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم مرادف للسلام الإسرائيلي. ولذا، يُعد هذا الفيلم أيضاً، على نحو غير متوقع، الأكثر تفاؤلاً بين الأفلام التي شاهدتها حول هذا الموضوع.
ونخلص إلى أن فيلم "حراس البوابة" هو عمل آخر من الأعمال السينمائية التي تأتي ضمن سلسلة أفلام "السينما وقضايا الشرق الأوسط".
