العدد 6360
السبت 14 مارس 2026
الحرب الراهنة وأزمة العقل العربي
السبت 14 مارس 2026

تناول المفكرون العرب في أعمالهم الفكرية أزمة العقل العربي كل من منظوره الخاص المتميز، ومن هؤلاء على سبيل المثال: فؤاد زكريا ومحمد عابد الجابري وعبدالله العروي وصادق جلال العظم وحسين مروة ومحمد أركون ومحمد جابر الأنصاري، وقد ظهرت هذه الأعمال بعد كارثة هزيمة 1967 التي ما برح العرب يدفعون فواتيرها، وما فتئت تتناسل منها كوارث تترى باعتبارها “أم الكوارث”. لا غرو والحال كذلك أن تشتد أزمة العقل العربي بصورة مريعة غير مسبوقة كلما واجهتنا المحن على الصعيدين القُطري والقومي. آخر مثال على ذلك الحرب الراهنة وهي تدخل أسبوعها الثالث، فمن خلال تتبعنا لكم هائل من مقالات الكتّاب والمثقفين العرب خلال الأسبوعين الماضيين في كبريات الصحف العربية، وكذلك مداخلاتهم وإطلالاتهم على القنوات الفضائية، فضلًا عما أثاره مقالنا السابق “هذا الطيش الإيراني إلى أين؟” من ردود فعل متباينة، مؤيدة ومتحفظة ومعارضة بشدة، إلى درجة التلميح إلى اصطفاف كاتب هذه السطور مع أميركا وإسرائيل على إيران! فإنه قد ترشحت لدينا حصيلة ممتازة تؤشر إلى أن أزمة العقل العربي باتت مستفحلة أكثر من أي وقت مضى.

إن المثقفين العرب ما فتئوا غير قادرين على توطين النفس في سجالاتهم المحتدمة حول القضايا الكبرى بأن يتقاطعوا في نقاط محددة، فما إن تختلف مع أحدهم حول نقطة محددة تشكل محور موقفه حتى ينسف كل ما كتبته. أليست إيران تبرر اليوم ردود فعلها كما لو كانت مشروعة - بالعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، حتى لو كانت على قاعدة خيار شمشون اللاأخلاقي “عليّ وعلى أعدائي” وهم معها في هذا المنطق؟ لا بل إن طهران باتت لا تتورع عن مضاهاة المعتدين عليها في سلاح الكذب.

فبينما ترسل يوميًّا وديًّا لجاراتها وتعلن أنها لا تستهدف بمسيّراتها وصواريخها على جاراتها في الضفة الغربية من الخليج إلا أهدافا أميركية، فإن هذه الضربات تطول عن سابق إصرار وترصد المؤسسات المدنية والتحتية والمناطق السكنية والفنادق وحتى المستشفيات والجامعات والأسواق المغلقة (المولات) والموانئ والمطارات المدنية والمؤسسات الاقتصادية وحقول النفط والغاز، حتى بات هذا الخيار الشمشوني الأهوج لا يفرق في أهدافه بين مكونات النسيج الاجتماعي للدول العربية الخليجية، وبضمنها المكون الذي ادعت طهران في خطابها الثوري تمثيله والدفاع عن مظلوميته حيث ذهب جرحى وشهداء له جراء طيشها. وأنا أكتب الخطوط العريضة لهذا المقال قبيل أذان الأربعاء الماضي الموافق ذكرى استشهاد الإمام علي كانت أصوات تفجيرات المسيرات أو الصواريخ تصم الآذان، وهكذا كانت في ليالي ونهارات الأيام الثلاثة لتلك الذكرى الأليمة. مهما يكن وكما ذكرنا في المقال السابق فإن هذه الحرب ستترتب عليها نتائج في منتهى الخطورة، ليس فيما يتعلق بمستقبل النظام الإيراني فقط، وقد بدأ العد العكسي لنهايته، بل ومستقبل المصالح الأميركية في المنطقة.

 

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية